تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يعمل بحسب استعداده؛ ففي أوربا من يملك ألوف الألوف وفيها من يموت جوعا

وكأين من عالم يطلب الثروة، وتعوزه الكسرة والحسوة، وليس هذا مقام بيان تأثير

أولئك المصلحين العظام في الأمم، والكاتب يعرفه ولكن غرضه ما ذكرنا.

والقول في تأثير الخطب والمقالات يتصل بالقول في تأثير رجال الإصلاح

المعنوي؛ لأن الخطباء والكتاب الداعين إلى الإصلاح هم ورثة الأنبياء والشارعين

وهم أركان الإصلاح الاجتماعي والسياسي، ومن ينكر أن للوثر وأشياعه وميرانو

وأضرابه تأثيرا عظيما في تحويل أوربا عما كانت عليه، ونقلها إلى ما انتهت إليه،

ومن ينكر تأثير تلك المقالات والرسائل التي كانت تنشر في فرنسا قبل الثورة

الكبرى، وأن ذلك التأثير هو الذي ثل عرش الملك، وسلط الصعاليك على الأمراء

والنبلاء؟ فالإصلاح في جميع الأمم إنما جرى على أيدي الفقراء والمتوسطين؛

بباعث معنوي، ولم يوجد إصلاح في الأرض بدأ به الأغنياء؛ بتأسيس

المشروعات المادية النافعة، وإن شئت فقل إنه لم يوجد إصلاح مادي بحت، ولكن

كل إصلاح يرقي البشر ينتج العمران، والعمران المادي إنما يكون في النهاية لا في

البداية.

كل هذا يعرفه الكاتب الفاضل، ولكن الرأي الذي أبداه؛ إنما هو في اختيار

أقرب الطرق، ولعمري إنه لطريق أمم، لولا أن فيه من العقبات الكؤود ما يتعذر

معها سلوكه على الضعفاء المحتاجين إلى الإصلاح كالمسلمين.

فيا دارها بالخيف إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال

يقول: إن الواجب على مريدي إصلاح المسلمين أن يسلكوا سبيل (سسل

روس) بعد إصلاح شؤون منازلهم وتنظيم طرق معيشتهم. من هم هؤلاء المريدون

للإصلاح، وما هي طبيعة بلادهم التي يعيشون فيها؟ هم نفر من وسط الناس سلمت

فطرتهم، وصفت فكرتهم، وحسنت في الجملة وبالمصادفة تربيتهم، وامتازوا

بالميل إلى البحث في الأمور العامة والاهتمام بأمر الأمة والملة، ولم يكن لهم

شيء من هذه الخصائص بواسطة تعليم وتربية أودعا في نفوسهم؛ إذ لا يوجد

للمسلمين مدرسة في قطر من الأقطار تذكر فيها مصلحة الأمة، أو توجه نفوس

تلامذتها في تعليم كل علم وفن إلى أن المراد به الإصلاح وإنقاذ الأمة مما هي فيه،

وإنما هو الاستعداد الفطري مع مساعدة التوفيق الذي يعبرون عنه بالظروف

والمصادفات، ولو أن هؤلاء اشتغلوا بغير البحث في الأمور العامة، وطرق

الإصلاح؛ لضعف استعدادهم فيه؛ لأنه لم يتربوا عليه، ولم يتعلموا طرقه

تعلما فيكون همهم بعد المدرسة السعي في اتخاذ الوسائل لما وجههم إليه

المربون والمعلمون.

وأما طبيعة بلادهم فهي كما يعلم الكاتب ليس فيها موارد قريبة للثروة الواسعة

من الطرق القانونية كالثروة التي جمعها سسل رود. والأعمال الكبيرة التي يتوقف

عليها إيجاد الموارد لا تكون إلا من قوم تعلموا طرقها وفنونها، وتربوا تربية

صاروا بها محلا للثقة في إناطة الأعمال بهم، وأنى لبلاد المسلمين بهؤلاء العاملين

العالمين! !

وجملة القول أن الذين يفكرون في الإصلاح من المسلمين ليس عندهم استعداد

لجمع الثروة الكبيرة، وأن بلادهم ليس فيها الآن منابع لهذه الثروة مفجرة

يسهل عليهم ورودها وأن الأمة التي يعيشون فيها ليس لها استعداد لتفجير ينابيع

الثروة الطبيعة التي خص الله بلادهم بها؛ لجهلهم وفساد تربيتهم، ونسكت عن حال

حكوماتها وما ينتظر أن يلاقيه منهم مريد الإصلاح إذا حاول سلوك الطريق

المشروعة الشريفة لجمع المال.

إن العمران المادي كان نتيجة للإصلاح المعنوي وكذلك يكون.

أما الجابون (اليابان) فلم يكن السائق لهم إلى الإصلاح طلب الثروة، ولم

يكن تقدمهم ماديا بحتا لا شائبة فيه للدين، بل كان السائق إليه هو صاحب السلطة

الدينية المقدسة والسلطة المدنية القائمة على أساس الدين، وهو عاهلهم ومليكهم

(الميكادو) فهذا العاهل العظيم هو الذي قيد سلطة نفسه بعد أن كانت حكومته

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٧١