تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الأمير: نعم الرأي ونعم التدقيق.

قال الصاحب: إن ما ذكر مولاي من حصر صفة الخلافة في خليفة قرشي في

مكة ترتبط به جميع السلطنات والإمارات الإسلامية ارتباطا دينيا، وما وصف من

تشكيل الشورى العامة المؤيدة لهذا الارتباط الديني لأمر عظيم جدا، والغالب أن

الدول المسيحية التي لها رعايا من المسلمين أو المجاورة للمسلمين تتحذر من أن

يجر جمع الكلمة الدينية إلى رابطة سياسية تولد حروبا دينية فتعمد هذه الدول إلى

عمل الدسائس والوسائل لمنع حصول هذا الارتباط بالمرة فما هو التدبير الذي

يقتضي اتخاذه أمام تحذر الدول من ذلك.

قال الأمير: لا يفكر هذا الفكر غير الفاتكان وأحزابه الجزويت وأمثالهم أما

رجال السياسة في إنكلترا وروسيا وفرنسا وهي الدول العظام التي يهمها التفكر في

هذا الشأن فقد علمتهم التجارب النتائج الآتية وهي:

(1) أن المسلمين لا ينتصرون أبدا لا سيما في زمان يبتعد فيه النصارى

عن نصرانيتهم.

(2) أن المسلمين المستنيرين أفرادا وجموعا أبعد عن الفتن من الجاهلين.

(3) أن العرب من المسلمين أقرب من غيرهم للألفة وحسن المعاملة

والثبات على العهد. فإذا أرشد أولئك السياسيون لأن يضموا إلى معرفتهم هذه

علمهم أيضا بالأحكام الإسلامية في مسألة الجهاد التي يتهيبونها علما يستخرجونه مما

عندهم من تراجم القرآن الكريم لا من مؤلفات متعصبي الفريقين، حيث يجدون

نحوا من خمسين آية بأساليب شتى كلها تنهى عن الإلحاح في الهداية إلى الدين

فضلا عن التشديد والإلزام بالقتال كقوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ (القصص: 56) ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (النحل: 125) {لست عليهم

بمسيطر} (الغاشية: 22) ويجدون آيتين في التشديد إحداهما ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ (الحجر: 94) والأخرى ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ (الحج: 78) ،

وبمراجعة أسباب نزول هاتين الآيتين يعلمون أنهما نزلتا في حق المشركين

والكتابيين من العرب، ولا يوجد في القرآن ملزم لاعتبار عمومية حكمها. وإذا

دققوا البحث يجدون أن ليس في علماء الإسلام مطلقا من يحصر معنى الجهاد في

سبيل الله في مجرد محاربة غير المسلمين، بل كل عمل شاق نافع للدين والدنيا،

حتى الكسب لأجل العيال يسمى جهادا. وبذلك يعلمون أن قصر معنى الجهاد على

الحروب كان مبنيا على إرادة الفتوحات والتوسل للتشجيع حين كان مجال للفتوحات،

كما أعطي اسم الجهاد مقابلة لاسم الحروب الصليبية التي أشعل نارها المسيحيون.

ثم بعطف نظرهم إلى التاريخ يجدون أن العرب منذ سبعة قرون لم يأتوا

حربا باسم الجهاد، وما كانت تعديات أساطيل إمارات الغرب إلا من قبيل القرصان

الذي كان مألوفا عند جميع إمارات الأرخبيليين الصقلي واليونان وكلهم نصارى. أما

غارات التتار على شمالي أوربا وغارات الترك على شرقها؛ فكذلك ليست من نوع

الجهاد ولا من الحروب الدينية وإنما هي من ملحقات غارات البرابرة الشماليين

على أوربا. ويجدون أنهم كما أغاروا على أوربا أغاروا على البلاد الإسلامية. ثم

أسلم التتار وحسنت أخلاقهم.

أما الترك فإذا دقق الأوربيون في سياستهم يجدونهم لا يقصدون بالاستناد

للدين غير التلاعب السياسي وقيادة الناس إلى سياستهم بسهولة وإرهاب أوربا باسم

الخلافة واسم الرأي العام. وعدم اشتراك البلاد العربية في المذابح الأرمينية

الأخيرة برهان كاف على أن الإسلامية بمعزل عن المجافاة؛ لأن العرب يفهمون

معنى القرآن الكريم فيدينون به، وقد يندهش الأوربيون إذا علموا أن السياسة

التركية لم يوافقها أن تترجم القرآن إلى اللغة التركية إلى الآن.

ولدى رجال السياسة دليل مهم آخر على أن أصل الإسلامية (لا يستلزم

الوحشة بين المسلمين وغيرهم بل يستلزم الألفة) ، وذلك أن العرب أينما حلوا من

البلاد جذبوا أهلها بحسن القدوة والمثال لدينهم ولغتهم، كما أنهم لم ينفروا من الأمم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٦٠