تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال الأمير: أرجوك لا تنظر للمسألة بنظر العوام بل بنظر حكيم سياسي فأبعد

النظر ماضيا ومستقبلا وقلب صفحات التاريخ بدقة؛ تجد أن إدارة الدين وإدارة

الملك لم تتحدا في الإسلام تماما إلا في عهد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز

فقط رضي الله عنهم واتحدتا نوعا ما في الأمويين والعباسيين. ثم افترقت الخلافة

عن الملك، وأما سلاطين آل عثمان الفخام فإني أذكر لك أنموذجا من أعمال لهم

أتوها رعاية للملك وإن كانت مصادمة للدين، فأقول: هذا السلطان محمد الفاتح

وهو أفضل آل عثمان قد قدم الملك على الدين فاتفق سرا مع (فرديناند) ملك

(الأراغون) الإسبانيولي ثم مع زوجته (إيزابيلا) على تمكينهما من إزالة ملك

بني الأحمر آخر الدول العربية في الأندلس ورضي بالقتل العام والإكراه على

التنصر بالإحراق وضياع خمسة عشر مليونا من المسلمين بإعانتهما بإشغاله أساطيل

أفريقية عن نجدة المسلمين وقد فعل ذلك في مقابلة ما قامت له به رومية من خذلان

الإمبراطورية الشرقية عند مهاجمته مكدونيا ثم القسطنطينية. وهذا السلطان سليم

غدر بآل العباس واستأصلهم حتى إنه قتل الأمهات؛ لأجل الأجنة، وبينما كان هو

يقتل العرب في الشرق كان الإسبانيول يحرقون بقيتهم في الأندلس. وهذا السلطان

سليم ضايق إيران حتى ألجأهم إلى إعلان الرفض. ثم لم يقبل العثمانيون تكليف

نادرشاه لرفع التفرقة بمجرد تصديق مذهب الإمام جعفر كما لم يقبلوا من أشرف

خان الأفغاني اقتسام فارس كي لا يجاورهم ملك سني. وقد سعوا في انقراض

خمس عشرة دولة وحكومة إسلامية ومنها أنهم أغروا وأعانوا الروس على التتار

المسلمين وهولانده على الجاوة والهنديين. وتعاقبوا على تدويخ اليمن فأهلكوا إلى

الآن عشرات ملايين من المسلمين يقتل بعضهم بعضا لا يحترمون فيما بينهم دينا

ولا أخوة ولا مروءة ولا إنسانية حتى إن العسكر العثماني باغت المسلمين مرة في

صنعاء وزبيد وهم في صلاة العيد.

وهذا السلطان محمود اقتبس عن الإفرنج كسوتهم وألزم رجال دولته وحاشيته

بلبسها حتى عمت أو كادت ولم يشأ الأتراك أن يغيروا منها الأكمام رعاية للدين؛

لأنها مانعة من الوضوء أو معسرة له وهذا السلطان عبد المجيد رأى من مؤيدات

إدارة ملكه إباحة الربا والخمور وإبطال الحدود. ورأى مصلحة في قهر الأشراف

وإذلال السادات بإلغاء نفوذ النقابات ففعل.

وفي هذا المقدار كفاية لإيضاح قاعدة أن مؤيدات الملك عند السلاطين مقدم

على المحافظة على الدين. أما صفة خدمة الحرمين وألفة مسامع العثمانيين للقب

الخلافة فهذا كذلك لا يفيد الدين وأهله شيئا وليس له ما يتوهم البعض من الإجلال

عند الأجانب.

ولو أن السطان المعظم أخذ على نفسه تأييد الدين بما أمده الله به من القوة

المادية بدون استناد إلى صبغة معنوية لتمكن من أن يخدم دينه وملكه حقا خدما مقبولة

عند الله مشكورة عند المؤمنين كافة ولرفعت له راية الحمد في شرق الأرض

وغربها واحترمه الأبيض والأحمر وعظمه المسلم والكافر. وأظن أنه قد قرب

اليوم الذي يتنبه فيه فيتروى في الأمر فيعدل عن الاعتماد على غيرالماديات

ويضرب على فم بعض الغشاشين المتملقين الخائنين الذين ينسبون حضرته إلى ما لم

ينتسب هو إليه ويشيعون عنه دعوى ما ادعاها قط أحد من أجداده العظام بوجه

رسمي.

وهؤلاء العثمانيون يغرون حضرة السلطان بهذه الدعوى بما يهرفون به عليه

وبما يؤلفونه هم وأعوانهم من الكتب والرسائل التي يعزون بعضها لأنفسهم وبعضها

لغيرهم من المنافقين أو لأسماء يسمونها أو كتب يختلقونها فيجعلون تارة آل عثمان

العظام يتصلون نسبا بعثمان بن عفان رضي الله عنه، وأخرى يرفعون نسبهم إلى

أعالي قريش ويعطونه حق الخلافة مرة بالتنازل والإدلاء من العباسيين وأخرى

بالاستحقاق والوراثة وآونة بالعهد وأخرى بالبيعة العامة، وحينا بخدمة الحرمين

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٥٧