تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن رأت أفضل وسيلة لحصول المطلوب هي رفع علة الفتور إذ أنتجت مباحثاتها

أن علة الفتور هي الخلل الديني فحولت اهتمامها لجهة العلة حتى إذا زالت العلة

زال المعلول، ومع ذلك لم يترك السيد الفراتي في فصل الأسباب الإدارية شيئا من

أمهات أصول الإدارة إلا وأشار إليه بما يغني عن تفصيله.

قال الصاحب: أليس بعض الأعضاء كالعالم النجدي والمجتهد التبريزي قد

أسهب كثيرا بما كان بعضه يكفي عن باقيه.

قال الأمير: إن مسألتي التوحيد والاستهداء ركنان مهمان في الدين، وقد

تطرق إليهما الخلل منذ قرون كثيرة فصار إصلاحهما وردهما إلى أصلهما من

أصعب الأمور، وفي مثل ذلك لا بد من الإسهاب في البحث والتعميق فيه أولا يرى

ولله المثل الأعلى كيف جاء القرآن الكريم بألف أسلوب في تأييد التنزيه والتوحيد

والحث على اتباع الكتاب والنبي دون التقليد.

قال الصاحب: إني أرى أيضا بعض مكررات في المذاكرات خلافا لما قاله

السيد الفراتي أي أنه لو اهتم ذو غيرة في اختصارها يكون حسنا.

قال الأمير: إني لا أوافقك على هذا أيضا؛ لأنك إذا دققت النظر لا تجد

مكررات وإنما هي آراء فلا بد أن يعاد فيها بعض ما سبق، وعلى كل حال هذا

سجل قد ضبط فيه ما وقع فلا يجوز اختصاره والتصرف فيه وإني أرى من أكبر

محاسن هذه المذاكرات أن جاءت مباحثها متسلسلة مترقية، فكل موضوع فيها يتلوه

ما هو أهم منه فلا يمل منها سامع ولا مطالع.

قال الصاحب: ما هو رأي مولانا الأمير في القانون الموضوع؛ لأجل تشكيل

جمعية تعليم الموحدين هل هو قانون محكم الترتيب، وهل هو قابل الإجراء

والتطبيق على الأحوال الحاضرة والمنتظرة.

قال الأمير: القانون هو أهم ما أثمرته الجمعية وقابل الإجراء مع الصعوبة.

قال الصاحب: لا أدري هل أصابت الجمعية أم أخطأت في تعليق أكبر أملها

في إعزاز الدين بالعرب دون دولة آل عثمان وملوكها العظام.

قال الأمير: لا يفوتك أن مطمح نظر الجمعية منحصر في النهضة الدينية فقط

وتؤمل أن يأتي الانتظام السياسي تبعا للدين ولا شك أن لا يقوم بالهدي الديني ويغار

على الدين أمة مثل العرب.

قال الصاحب: أليس دولة راسخة الملك إدارة وعسكرية وسياسة وافرة القوى

مالا وعدة ورجالا تكون أقدر على تمحيص الدين وإعزازه من العرب الضعفاء من

كل وجه. وإذ قد ألفت الأمة سماع لقب خدمة الحرمين قديما ولقب الخلافة أخيرا

في حضرة السلطان العثماني فلا تستنكف عن الإذعان الديني له بسهولة.

قال الأمير: إن حضرة السلطان المعظم يصلح أن يكون عضدا عظيما في

الأمر، أما إذا أراد أن يكون هو القائم به فلا يتم قطعا؛ لأن الدين شيء، والملك

شيء آخر، والسلطان غير الدولة.

قال الصاحب: ما فهمت المراد من أن الدين غير الملك، وأن السلطان غير

الدولة، فهل يتفضل مولاي الأمير بإيضاح ذلك؟

قال الأمير: أريد أن احترام الشعائر الدينية في أكثر ملوك آل عثمان هي

ظواهر محضة، وليس من غرضهم بل ولا من شأنهم أن يقدموا الاهتمام بالدين

على مصلحة الملك وهذا مرادي بأن الدين غير الملك وعلى فرض إرادتهم تقديم

الدين على الملك لا يقدرون على ذلك ولا تساعدهم الظروف المحيطة بهم؛ لأن

دولتهم مؤلفة من لفيف أهل أديان ونحل مختلفة كما أن الهيئة التي تتشكل منها الدولة

أعني الوزراء هم كذلك لفيف مختلفة الأديان والجنسيات وهذا مرادي بأن السلطان

غير الدولة. فخدمة الحرمين ولقب الخلافة ورسوخ الملك ووفرة القوى كلها لا

تكفي للمرجع في الدين نعم؛ إذا بذل آل عثمان العظام قوتهم في تعضيد وتأييد من

يقوم بذلك يأتون بفضل عظيم.

قال الصاحب: قد وجد في هذا البيت الكريم بعض أعاظم خدموا إعزار الدين

خدما كبيرة كالسلطان محمد الفاتح والسلطان ياوز سليم والسلطان سليمان والسلطان

محمود والسلطان الحالي المعظم فهم أولى وأجدر بالخلافة من غيرهم.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٥٦