تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شريفة وطباع كريمة وليس كذلك حالها في عصر تدليها واضمحلالها، ولو أني

أردت تبصير (أميل) علة هذا التدلي له لحصرتها في إعواز الفضائل الجمهورية

إعوازا كان سببا لنجاح الحكم المطلق في رومة وطول مدته، فلست أخشى على

الحرية ما قد ينتابها من الأخطار المادية ولا أرهب على رومة أن يقف بأبوابها

التركينيون [7] أو بورشينا [8] يبتغون الاستيلاء عليها ما دام فيها أمثال موشيوس

سيفولا [9] وإنما الذي نعاني منه اليوم هو خسة الضمائر ولؤم السرائر.

نفوسنا هي مواطن الظلم ومكامن البغي، فالذي علينا هو أن نحاربه فيها

ونجليه عنها قبل محاربة الملوك الظالمين وإجلاء الجبابرة الغاشمين، ومن أجل هذا

لم يك ينفع بروتس وأنصاره أن بقروا بطن القيصر، فإن قلب رومة كان مقروحا

بالداء القيصري كان أولى بذلك الرجل وقد أراد أن ينزع تاج الملك ممن كان

مستعدا له أن يرجع أولا إلى قلبه فينزع منه كبر الأشراف وأنفة السراة، ثم ينزع

إن استطاع من نفوس قرنائه ما علق بها من الرذائل والنقائص التي تقتضي وازعا

يرد من جماحها ويكف من ثوراتها ولولا تقصيره في ذلك لاستحق ما آتاه من

الأعمال الدالة على الشهامة والبسالة أن تبيض به صحف التاريخ بل إن هذه

الأعمال كان من شأنها أن تؤخر استقرار حكم الاستبداد، ولكنها لا تستطيع أن

تقوم بالأمة من وهدة انحطاطها.

أحدثت في أخريات أيام الجمهورية الرومانية أحداث كثيرة شوهت محاسنها

كالنظام العسكري الوحشي وإهدار الدماء وضروب التعذيب والأطماع الخسيسة وبيع

الضمائر بتناوب إرسال الضعفاء والأوغاد والتعلق بعجلة الظافر على أنه كان لا

يزال يظهر في جهات مختلفة من قرارة الدهماء المنهوكين المنحطين بعض الأخلاق

الفاضلة ظهور الصخور التي تشرف على ما حولها من المياه المنخفضة.

ولا قنوط من ارتفاع شأن الحرية ما بقي في الناس أباة للضيم موقنون

بظفرهم في الذود عنها فإن هؤلاء يشهدون الجهاد في سبيلها وقد يلاقون الهزيمة فيه

ولكنهم لا يشهدون اندثارها اندثارا لا قيام منه وإنما تزهق روح الأمل من

حياتها متى انحازت العقول بعد كلالها، وهي صامتة إلى حكومة مطلقة لكنها ساكنة

مطمئنة تلين للمحكومين كلما شعرت بازدياد أمنها وزوال مخاوفها، فأضر نظام

سياسي على أمة من الأمم إنما هو الحكم الاستبدادي المجرد من الصرامة والقسوة،

وكذلك كان حكم أغسطس للرومان.

كان عجب الأمة في ذلك الحكم لا يزال يتغذى ببعض ضروب من الغرور

غريبة ككونها لا تزال خير أمة بل أميرة الأمم وكون أعلامها وألويتها لا تزال

مبجلة في الخارج، وكونها تنتصر على المتوحشين من حين إلى حين وكونها

صاحبة الآلهة وتحف الكائنات والفنون الجميلة والآثار الفخمة التي تروق الأجانب

وكونها جددت بناء رومة وهي المدينة الأبدية من قواعدها إلى سقوفها - كل هذا

صحيح ولكن واحسرتاه، فليست تعبئة الجيوش ولا إنشاء القلاع والحصون ولا

بناء المعابد مما يغني عن الأمة من سقوطها شيئا فقد بقي معبد المشتري المسمى

بالقابلتول في رومة بعد فناء الرومان.

ليس لي كلمة أقولها في شعراء عصر أغسطس وهي أن أحسن هؤلاء

الشعراء قطعا في نظر المعلمين فرجيل وهوراس فهما اللذان أحب أن تجعل كتبهما

في أيدي الناشئين أكثر من غيرهما، وإن كان كلاهما قد تجرد في معظم ما كتب

من شرف النفس وكرامتها، ألم يلاحظ من قرأ عنينية [10] فرجيل أن نفس مغزاها

ملكي وهو مغزى ما كان يرد - على ما أرى - في ذهن شاعر زاهر الخيال في

أيام الجمهورية الجميلة فقد وصف فرجيل ممدوحه المسمى (عني) بالإنسان الذي

تجلت فيه العناية الإلهية وتوحدت في شخصه الأمة وأنه المنجي لأمته المؤسس

لجيله، ومثل هذه المعاني يرى عليها أنها موسومة بميسم الملك الذي برزت في عهده، ومطبوعة بطابع القرن الذي ظهرت فيه وسواء كانت حسنة أو قبيحة من

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٣٨