(أميل) كلف بدراستها صادقا لما كنت إلا في غاية الرضى عن ذلك ولكني لا أحب
أن يكون خدعة التشدد في ميله إليها لما فيها من وجوه القبح أيضا فلشد ما احتقر
فيها الرقيق وبخست قيمته ونسيت حقوق البؤساء والمغلوبين فلم يحض عليها أحد
اللهم إلا صيحتين أو ثلاثا انبعثت من أعماق وجدان الإنسان ووصلت إلينا بعد
اختراق حجب ما مر من الأزمان، ولكم هلك في سبيل تلك الحضارة من أجيال
وباد من إنسان ولم يكن فيها أحد، يعنى بتخفيف مضض البؤس الذي كانت تقاسيه
الدهماء ولم يكن العمل يستوجب للعامل أدنى حق من الحقوق؛ لأنه لم يكن يصلح إلا
لأيدي الطغام، نعم إن ظاهرها ومنظرها كان مؤنقا، فإن ما ازدانت به من الفنون
والشعر والدين السمح والآلهة الباسمين في وجوه الأبطال كان يكسو تلك الأمة
المغتبطة برودا جمعت كل ما للكمال المنشود من ضروب العظم والبهاء ولكن
العبرة بالمخبر لا بالمنظر.
التاريخ الروماني هو دون التاريخ اليوناني بكثير لا لأن رومة لم تنتج
رجالا كبارا بل لأنها كانت تفرط في عبادة القوة، وقد لاقت جزاء هذا الإفراط
فإنها بعد أن استعبدت غيرها من الأمم آل أمرها إلى استعباد نفسها، فلتقل لي هذه
الأمة الفاتحة وقد أظهرت للعالم ما للفتح من النتائج اللازمة: ما هي الأمم التي
علمتها والشعوب التي أصلحت شؤونها؟ أرى الناس تتميلهم أخبار غزواتها وتهزهم
أحاديث نصراتها ولا أرى أحدا منهم يستقصي أسباب مصائبها ليشفى من جنون
الحرب ويبرأ من هوس القتال.
إني إذا أقرأت (أميل) اليونانية واللاتينية وفجرت له بذلك ينبوع الآداب
القديمة والتاريخ كان قصدي منه ولا شك توسيع عقله وتنمية إدراكه بيد أني أرمي
إلى غاية أخرى أمكن في نفسي من هذا وهي أن أنشئ في نفسه الاستعداد للسلوك
في هذا الكون، ذلك لأن ما تتضمنه تلك الآداب من أسى الإقدام النفسي
والإخلاص في العمل وحب الوطن أشد في قلب اليافع تأثيرا وأبلغ في نفسه موعظة
من جميع ما يقوله الخطباء ويوصي به الحكماء بل إن في نفس التحمس الذي يبدو
منه في استحسانها بذلا لنفسه؛ لأنه يخرجها من معقل امتناعها ويخلعها عن عرش
صلفها ليسويها بمن استحق الحياة استحقاقا صحيحا، وإني لأقنط من فلاح الطفل
الذي لا يروقه شيء، وأما من آنس من نفسه التأثر بما لغيره من بهاء العظمة
ورونقها فذلك الذي أوتيت نفسه سرا من أسرار الله، إن فضائل الغابرين أبلغ من
فضائل الحاضرين في خلب الخيال بما عليها من مسحة القوة والبسالة، وأعمال
اليونان والرومان لبعدها عنا بحسب ترتيب الأزمان يحليها البعد والغرابة ببعض
السمات التي قد تغالي بها فتجعل لها من القيمة فوق ما تستحقه ولكن ذلك لا يزيدها
إلا لجاجة في دعوة الناشئين إلى إجلالها وإعظام قدرها، وإذ علمت ذلك رأيتني
غير مخطئ في التعويل على تأثير الأقدمين في ترقية أفكار ولدي وتهذيب خلقه.
على أني أعلم حق العلم أن جميع ما خلفوه لنا لا يدعو إلى الإعجاب على
السواء فما سيبيون [3] الذي جندل أنيبال [4] ودمر قرطاجة [5] مثلا بالبطل الذي
سأسترعي إلى سيرته ذهن (أميل) كلا، بل إني سأوجه كل همتي إلى تفهيمه أن
ما يلاقي من الهزائم إجلالا لوجدان الحق أعلى منزلة وأعظم خطرا من الانتصار
ببيض الصفاح سمر الرماح وأن المجد الصحيح إنما هو في علو النفس وشرفها،
وسأقول له أرأيت اليوم الذي انتصرت فيه رومة على قرطاجة فذلك اليوم الذي وفى
فيه ريجولوص [6] بعهده فانطلق إلى إفريقيا وحده لا يثنيه عنه لجاجة زوجته
وأولاده ولا دعاء إخوانه وأصدقائه مع علمه بأنه ملاق حتفه وساع إلى هلاكه، في
ذلك اليوم ظهر أن رومة قد برزت على قرطاجة في صدقها ووفائها ولم يكن
تبريزها عليها في غير هاتين الفضيلتين إلا أمرا مرتهنا بوقته إذ كان لا بد لقرطاجة
من الغلب والقهر.
لا مراء في أن الجمهورية الرومانية أيام مجدها وعلوها كانت تسفر عن أخلاق