تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حيث الفن فهي تشف عن حالة العقول في ذلك العصر وتسفر عن الخطة التي

رسمتها لنفسها الحكومة الذاتية حتى في نفوس الخيار من الأمة.

إن أجود الأشعار وأحسنها ليس في استطاعته أن يحجب دناءة النفس ولا أن

يستر خسة الطبع، ولقد كان شعراء اللاتينيين قدوة سيئة لخلفهم بما كان يصدر

عنهم من ضروب التمليق الخسيسة وأنواع المدائح التي كانوا يطرون بها أغسطس

تحقيقا لأغراضهم ونيلا لأمانيهم فأسسوا به في الدنيا من حيث لا يشعرون وظيفة

الكتاب والشعراء المتزلفين على أن فرجيل وهوراس كانا أميري هذه الصناعة ولم

يكن غيرهما فيها إلا من أتباعهما.

ألخص لك ما تقدم فأقول: إن دراسة آثار الأقدمين تختلف ثمراتها باختلاف

الطريقة التي تباشر بها، فإجلال هؤلاء بلا قيد ولا تمييز ولا نقد يؤدي إلى ما

تؤدي إليه جميع ضروب الوثنية وهو صغار النفس وضعتها ذلك بأن ما يؤثر عنهم

من المحفوظات والخرافات والكتب والأشعار الحسنة له من الظلم والتحكم في

النفوس ما لا تقل الخشية منه على الناشئين عن خشية ظلم الحكام الغاشمين وتحكم

الطغاة المستبدين، وبهذا يبطل التعجب من أنه وجد اليوم من تلامذة اليونان

والرومان من يلتمسون في العلوم وسائل للذود عن مصالح الغابرين ومغالطتهم

ومنهم من يرومون منها دروعا حصينة للحرية تكف عنها عوادي الباغين.

نحن على ما فينا من النقائص كلها أحسن من الأقدمين حالا وأرفع شأنا، وإن

جاز علينا الانحطاط كما جاز عليهم ذلك؛ لأن فينا قوة النهوض والارتفاع ما

انحططنا منه، وإن كان لنا عليهم فضلا كبيرا بسمو وجداننا، فكأننا بتأخرنا عنهم

في الوجود قد أخذنا على أنفسنا أن نكون خيرا منهم؛ لأن وجدان الواجب كوجدان

الحق ينمو ويرتقي بمرور الزمان، ولعمري، إنه لا ينكر ما للتمدن العصري من

ضروب التأثير في النفوس والعقول إلا مكابر خبيث الطوية، ولست أريد بما قلته

أننا أصبحنا بهذا التمدن أكثر من الأقدمين أخلاقا فاضلة وطباعا باسلة ومعارف

واسعة وتحمسا في الميل إلى الحسن، كلا ثم كلا، بل أريد أن معاني العدل

واحترام حق الغير قد شاعت فينا ورسخت في نفوسنا فصرنا أكثر منهم اهتماما بأن

يخالفونا في العناصر والأحوال القومية والأقاليم وألوان الجلود، فنحن الآن من

حيث كوننا من بني الإنسان أقل من اليونان والرومان بعدا عن كل ما له مساس

بالإنسانية. اه

((يتبع بمقال تال))

-----------------

<span class="footnote">

(*) معرب من كتاب أميل القرن التاسع عشر في التربية.

(1) يشبه كلام المؤلف هاهنا أن يكون تقريرا لمذهب الماديين ويدل بفحواه على أنه لا يعتقد بالله ولا بملائكته ولا بصحة المذاهب الدينية في هذين المعنيين وينسب إلى النواميس الكونية كل ما كان وما يكون ويزعم أن العلم قد هداه إلى أصل معنى الألوهية وهذا كله من غرور العقل نعوذ بالله منه ومن الغلو في النظر وما يؤدي إليه من الأشر والبطر كيف يصل العقل إلى كنه الإله وهو لم يصل إلى كنه نفسه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا والعذر له ولأمثاله أنهم نشؤوا على دين مناقض للعقل.

(2) أشيل في أساطير اليونان هو بطل يوناني أبواه تيتيس وبيلي قتله باريس في حصار طروادة.

(3) هكتور في هذه الأساطير هو ابن بريام وعقيبة وزوج أندروماك ووالد أستيناكس قتله أشيل أخذا بثار ياتروقل.

(4) سيبيون واسمه إيميلبان الملقب الأفريقي الثاني كان رابع أولاد بولس أميل ولد في سنة 185 ومات في سنة 129ق م تبناه عمه الذي هو ابن الأفريقي الأول من أسرة سيبيون وكان على يده انتهاء الحرب الثالثة بين رومة وقرطاجة فكانت هي خاتمة هذه الحروب فإنه أخذ قرطاجة في

سنة 146ق م.

(5) أينبال هو قائد قرطاجة تولى قيادة الجيش في الحرب الثانية التي حصلت بين قرطاجة ورومة وبعد انتصاره في مواقع كبيرة هزم سيبيون فانتخر بالسم تخلصا من انتقام الرومانيين.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٣٩