التعاون، والحرب محل السلام؛ وكان الناس على ذلك إلى أن جاء دين
الإسلام [*] .
كان سن الاجتماع البشري قد بلغ بالإنسان أشده، وأعادته الحوادث الماضية
إلى رشده؛ فجاء الإسلام يخاطب العقل؛ ويستصرخ الفهم واللب؛ ويشركه مع
العواطف والإحساس في إرشاد الإنسان إلى سعادته الدنيوية والأخروية، وبين للناس
ما اختلفوا فيه، وكشف لهم عن وجه ما اختصموا عليه، وبرهن على أن دين الله
في جميع الأجيال واحد، ومشيئته في إصلاح شئونهم وتطهير قلوبهم واحدة، وأن
رسم العبادة على الأشباح، إنما هو لتجديد الذكرى في الأرواح، وإن كان لا ينظر
إلى الصور ولكن ينظر إلى القلوب، وطالب المكلف برعاية جسده كما طالبه
بإصلاح سره، ففرض نظافة الظاهر كما أوجب طهارة الباطن، وعد كلا الأمرين
طهرا مطلوبا، وجعل روح العبادة الإخلاص، وأن ما فرض من الأعمال إنما هو
لما أوجب من التطبع بطاهر الملكات: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ (العنكبوت: 45) ، {إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه
الخير منوعا * إلا المصلين} (المعارج: 19-22) ورفع الغني الشاكر إلى مرتبة
الفقير الصابر، بل ربما فضله عليه، وعامل الإنسان في مواعظه معاملة الناصح
الهادي للرجل الرشيد، فدعاه إلى استعمال جميع قواه الظاهرة والباطنة؛ وصرح
بما لا يقبل التأويل أن في ذلك رضاء الله وشكر نعمته، وأن الدنيا مزرعة الآخرة،
ولا وصول إلى خير العقبى إلا بالسعي في إصلاح الدنيا.
(ثم قال) : (كشف الإسلام عن العقل غمة من الوهم فيما يعرض من
حوادث الكون الكبير (العالم) والكون الصغير (الإنسان) فقرر أن آيات ألله الكبر في
صنع العالم إنما يجري أمرها على السنن الإلهية التي قدرها الله في علمه الأزلي لا
يغيرها شيء من الطوارئ الجزئية، غير أنه لا يجوز أن يغفل شأن الله فيها، بل
ينبغي أن يحيي ذكره عند رؤيتها، فقد جاء على لسان النبي صلى الله عليه وسلم:
(إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك
فاذكروا الله) [2] وفيه التصريح بأن جميع آيات الكون تجري على نظام واحد لا
يقضي فيه إلا العناية الأزلية على السنن التي أقامته عليها.
ثم أماط اللثام عن حال الإنسان في النعم التي يتمتع بها الأشخاص أو الأمم
والمصائب التي يرزؤن بها، ففصل بين الأمرين فصلا محكما، ثم بعد أن ذكر حال
الأفراد وأن ما يصيبهم قد يكون بكسبهم وقد يكون بغير ذلك قال: (أما شأن الأمم
فليس على ذلك فإن الروح الذي أودعه الله جميع شرائعه الإلهية من تصحيح الفكر
وتسديد النظر، وتأديب الأهواء، وتحديد مطامح الشهوات، والدخول إلى كل أمر
من بابه، وطلب كل رغيبة من أسبابها، وحفظ الأمانة، واستشعار الأخوة،
والتعاون على البر، والتناصح في الخير والشر، وغير ذلك من أصول الفضائل
ذلك الروح هو مصدر حياة الأمم ومشرق سعادتها في هذه الدنيا قبل الآخرة)
﴿ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها﴾ (آل عمران: 145) ، ولن يسلب الله نعمته ما
دام هذا الروح فيها، يزيد الله النعم بقوته وينقصها بضعفه، حتى إذا فارقها ذهبت
السعادة على أثره، وتبعتها الراحة إلى مقره، واستبدل الله عزة القوم بالذل، وكثرتهم
بالقل، ونعيمهم بالشقاء، وراحتهم بالعناء، وسلط الله عليهم الظالمين أو العادلين
فأخذهم بهم وهم في غفلة ساهون: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا
فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} (الإسراء: 16) أمرناهم بالحق ففسقوا عنه
إلى الباطل، ثم لا ينفعهم الأنين ولا يجديهم البكاء، ولا يفيدهم ما بقي من صور
الأعمال ولا يستجاب منهم الدعاء، ولا كاشف لما نزل بهم إلا أن يلجؤوا إلى ذلك
الروح الأكرم فيستنزلوه من سماء الرحمة برسل الفكر والذكر والصبر والشكر {إن
الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} (الرعد: 11) - {سنة الله في الذين