تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} (الأحزاب: 62) ، وما أجل ما قاله

العباس بن عبد المطلب في استسقائه: (اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يرفع

إلا بتوبة) على هذه السنن جرى سلف الأمة فبينما كان المسلم يرفع روحه بهذه العقائد

السامية ويأخذ نفسه بما يتبعها من الأعمال الجليلة، كان غيره يظن أنه يزلزل

الأرض بدعائه، ويشق الفلك ببكائه، وهو ولع بأهوائه، ماض في غلوائه، وما كان

يغني عنه ظنه من الحق شيئا) اه المراد هنا من رسالة التوحيد.

* * *

تشبيه التعليم الديني بتعليم المدارس

هذا ما قاله الأستاذ الإمام في رسالة التوحيد التي طبعت سنة 1315 وقرر

مجلس إدارة الأزهر تدريسها رسميا في الجامع الأزهر، ومعلوم أن رئيس هذا

المجلس هو شيخ الجامع فهو مع سائر العلماء أعضاء المجلس بل وسائر علماء

الأزهر متفقون على ما في هذه الرسالة، ومما تقدم عنها يعلم معنى كون دين

الإسلام هو دين العقل، والقرآن يشهد بهذا في عشرات ومئات من الآيات، ويعلم

أيضا أن المسلمين يعتقدون بحقيقة الديانة المسيحية وكونها جاءت إصلاحا للناس

ولكن إلى أجل محدود قد انتهى واستغني عنه بالدين الأخير.

تقدم أن دين الله واحد ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ (البقرة: 285) وأن

خطاب الوحي كان يختلف باختلاف استعداد الناس؛ فالشريعة الموسوية وما شاكلها

مما كان قبلها ودرس كالمدرسة الابتدائية، والديانة المسيحية كالمدرسة التجهيزية،

والديانة الإسلامية كالمدرسة العالية التي هي التعليم الأخير. وهذا لا يتضمن

انتقاص اليهودية والمسيحية، كما أن وجود المدارس العالية لا يقتضي انتقاص

المدرسة الأولى أو الثانية لأن كلا منهما لا بد منه والغرض من الجميع واحد، ولا

تنس أن التشبيه بالنسبة إلى مجموع البشر في الجملة، فلا يقال ينبغي أن يكون كل

فرد من الناس يهوديا ثم نصرانيا ثم مسلما، وهذا الذي قلناه مؤيد بما أرشد إليه العلم

الصحيح من سنة الارتقاء البشري وقد جرى الناس على ذلك بحكم تلك السنة فدخل

الملايين من اليهود والنصارى في الإسلام أفواجا وكانوا في ذلك كمن انتقل من

مدرسة إلى مدرسة أعلى منها، ولولا الرؤساء الذين جعلوا الدين تقليديا وجعلوا

عليه سياجا من القوة الحسية والوهمية، ولولا الطوارئ التي طرأت على سير

الإسلام بواسطة الرؤساء من الملوك والأمراء، وفتنتهم للعلماء والفقهاء، لما بقي

للأديان الأولى من الأتباع ما يكونون به أمما كبيرة.

-----------------

<span class="footnote">

(1) المعروف إلى الآن من هذه الأديان دين اليهود ومن قرأ كتبه المقدسة التي يسمون مجموعها (التوراة) يتجلى له انطباق الوصف عليهم ففيها أن الرب كان يلقب شعب إسرائيل بالشعب (الغليظ الرقبة) أي العريض القفا والمراد البليد الجافي وكان يريه الآيات والمخاوف فيخضع ثم يعود إلى تمرده وكان يعلل له الأحكام بالوقائع الخاصة كإنجائه من المصريين، وكان يعاقبه على ترك أي حكم بأشد العقوبة ومنها أن من يعمل يوم السبت عملا يقتل قتلا.

(*) يرى الناظر أن الأستاذ الإمام يلصق جميع ما ابتدع في النصرانية وكان شؤما على الإنسانية بالرؤساء الذين خرجوا من زهادة المسيح ويدعون أنهم نوابه إلى مزاحمة الملوك والاستعلاء عليهم، فلا يتوهمن أحد أن مسلما يعتقد أن في دين المسيح نفسه شيئا كان ضارا بذاته فيمن خوطبوا به.

(2) كسفت الشمس يوم مات إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - فظن بعض الناس أنها كسفت لموته فقاله رواه البخاري وغيره.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤١٤