عليه أئمة المسلمين كما تقدم وهو كاف في كون الإسلام دين العقل؛ لأن المسلم لا
يترك الدليل العقلي القاطع بحال من الأحوال.
وقد أحسن ابن رشد في رأيه أن لا تنشر التأويلات التي تظهر للراسخين في
العلم بل تبقى خاصة بأهلها فلا تكون سببا لفتح باب الجدل على العامة فيما لا تصل
إليه أفهامهم من حقائق العلوم، والجدل مدعاة الشكوك ولذلك يجب تأديب المشككين
والإعراض عن المجادلين.
* * *
ارتقاء الأديان، وختمها بالإسلام
جاء في (رسالة التوحيد) للأستاذ الإمام ما نصه:
جاءت أديان والناس في فهم مصالحهم العامة بل والخاصة في طور أشبه
بطور الطفولية للناشئ الحديث العهد بالوجود لا يألف منه إلا ما وقع تحت حسه،
ويصعب عليه أن يضع الميزان بين يومه وأمسه، وأن يتناول من المعاني ما لا
يقرب من لمسه، ولم ينفث في روعه من الوجدان الباطن ما يعطفه على غيره من
عشيرة أو ابن جنسه، فهو من الحرص على ما يقيم بناء شخصه في هم شاغل عما
يلقى إليه فيما يصله بغيره، اللهم إلا يدا إلى فمه بطعام؛ أو تسنده في قعود أو قيام،
فلم يكن من حكمة تلك الأديان، أن تخاطب الناس بما يلطف في الوجدان؛ أو يرقى
إليه بسلم البرهان، بل كان من عظيم الرحمة أن تسير بالأقوام وهم عيال الله سير
الوالد مع ولده في سذاجة السن لا يأتيه إلا من قبل ما يحسه بسمعه أو ببصره،
فأخذتهم بالأوامر الصادعة، والزواجر الرادعة، وطالبتهم بالطاعة، وحملتهم فيها
على مبلغ الاستطاعة، كلفتهم بمعقول المعنى جلي الغاية، وإن لم يفهموا معناه، ولم
تصل مداركهم إلى مرماه، وجاءتهم من الآيات بما تطرف له عيونهم؛ وتنفعل به
مشاعرهم، وفرضت عليهم من العبادات ما يليق بحالهم هذه [1] .
ثم مضت على ذلك أزمان علت فيها الأقوام وسقطت، وارتفعت، وجربت
وكسبت، وتخالفت واتفقت، وذاقت من الأيام آلاما، وتقلبت في السعادة والشقاء
أياما وأياما؛ ووجدت الأنفس بنفث الحوادث؛ ولقن الكوارث، شعورا أدق من
الحس وأدخل من الوجدان؛ لا يرتفع في الجملة عما تشعر به قلوب النساء أو تذهب
معه نزعات الغلمان؛ فجاء دين يخاطب العواطف، ويناجي المراحم، ويستعطف
الأهواء، ويحادث خطرات القلوب، فشرع للناس من شرائع الزهادة ما يصرفهم
عن الدنيا بجملتها ويوجه وجوههم نحو الملكوت الأعلى، ويقتضي من صاحب
الحق أن لا يطالب به ولو بحق، ويغلق أبواب السماء في وجوه الأغنياء؛ وما ينحو
نحو هذا مما هو معروف، وسن للناس سننا في عبادة الله تتفق مع ما كانوا عليه،
وما دعاهم إليه؛ فلاقى من تعلق الناس بدعوته ما أصلح من فاسدها،
ثم لم يمض عليه بضعة أجيال حتى ضعفت العزائم البشرية عن احتماله،
وضاقت الذرائع عن الوقوف عند حدوده والأخذ بأقواله، ووقر في الظنون أن اتباع
وصاياه ضرب من المحال، فهب القائمون عليه أنفسهم لمنافسة الملوك في السلطان،
ومزاحمة أهل الترف في جمع الأموال، وانحرف الجمهور الأعظم منهم عن
جادته بالتأويل، وأضافوا إليه ما شاء الهوى من الأباطيل، هذا كان شأنهم في
السجايا - نسوا طهارته، وباعوا نزاهته، أما في العقائد فتفرقوا شيعا، وأحدثوا
بدعا، ولم يستمسكوا من أصوله إلا بما ظنوه من أشد أركانها، وتوهموه من أقوى دعائمها؛ وهو حرمان العقول من النظر فيه وفي غيره من دقائق الأكوان،
والحظر على الأفكار أن تنفذ إلى شيء من سرائر الخلقة، فصرحوا بأن لا وفاق
بين الدين والعقل؛ وأن الدين من أشد أعداء العلم، ولم يكف الذاهب إلى ذلك أن يأخذ به نفسه، بل جد في حمل الناس على مذهبه بكل ما يملك من حول وقوة،
وأفضى الغلو في ذلك بالأنفس إلى نزعة كانت أشأم النزعات على العالم الإنساني
وهي نزعة الحرب بين أهل الدين للإلزام ببعض قضايا الدين، فتقوض الأصل؛
وتحرمت العلائق بين الأهل، حلت القطيعة محل التراحم، والتخاصم مكان