تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أكبر من التشكيك في شيء موجود نافع للناس لصدهم عن الانتفاع به بنظريات لا

قيمة لها، أي سفه أكبر من سفه من كان يماري بالموجود الثابت بالمشاهدة أو

التواتر (كالمعجزات) أو يلزم الإنسان بأن لا يسلك طريق الفضيلة حتى يبحث

بالدلائل النظرية الفكرية في إمكانها وفي كيفية حصولها، وهو يرى ويشاهد أنها

تحصل بالفعل، وأن طريق حصولها هو العمل لا النظريات الفكرية؟ ‍‍‍‍‍‍‍!

وما أحسن ما أورده الفيلسوف في هذا المقام أيضا وهو:

وأما ما نسبه (أي ما نسبه الغزالي إلى الفلاسفة) من الاعتراض على معجزة

إبراهيم عليه السلام فشيء لم يقله إلا الزنادقة من أهل الإسلام، فإن الحكماء من

الفلاسفة ليس يجوز عندهم التكلم ولا الجدل في مبادئ الشرائع، وفاعل ذلك عندهم

محتاج إلى الأدب الشديد، وذلك أنه لما كانت كل صناعة لها مبادئ وواجب على

الناظر في تلك الصناعة أن يسلم مبادئها ولا يتعرض لها بنفي ولا إبطال كانت

الصناعة الشرعية هي أحرى بذلك لأن المشي على الفضائل الشرعية هو ضروري

عندهم ليس في وجود الإنسان بما هو إنسان بل وبما هو إنسان عالم، ولذلك

يجب على كل إنسان أن يسلم مبادءها الشريعة وأن يقلد فيها ولا بد من هذا الوضع

لها، فإن جحدها والمناظرة فيها مبطلان لوجود الإنسان ولذلك وجب قتل الزنادقة،

فالذي يجب أن يقال فيها أن مبادئها هي أمور إلهية تفوق العقول الإنسانية فلا بد أن

يعترف بها مع جهل أسبابها ولذلك لا تجد أحدا من القدماء تكلم عن المعجزات مع

انتشارها وظهورها في العالم؛ لأنها مبادئ تثبيت الشرائع، والشرائع مبادئ

الفضائل، ولا فيما يقال فيها بعد الموت، فإذا نشأ الإنسان على الفضائل

الشرعية كان فاضلا بإطلاق، فإن تمادى به الزمان والسعادة إلى أن يكون من

العلماء الراسخين في العلم فعرض له تأويل في مبدأ من المبادئ فيجب عليه أن لا

يصرح بذلك التأويل، وأن يقول فيه كما قال الله تعالى: {والراسخون في العلم

يقولون آمنا به} (آل عمران: 7) ، هذه حدود الشرائع وحدود العلماء) اه

بحروفه من (ص 129) .

حقا أقول: إن هذا ما يصح أن يسند إلى الحكماء العقلاء، وإننا نوضحه

بمثال آخر طالما ذكرناه في مباحثنا مع الإخوان وهو أن الطب علم قد ثبتت فائدته

للناس بالتجربة والمشاهدة، فمن الحماقة وسفه الرأي أن يقال للمريض عليك أن لا

تقبل من الطبيب علاجا حتى تبحث أولا عن مبادئ الطب وتثبت بالأدلة النظرية أنه

نافع ومفيد، ثم تعرف الدواء الذي يصفه لك الطبيب ما هو وما نسبة بعض أجزائه

إلى بعض وكيف يؤثر في مقاومة المرض، وما الدليل العقلي على تأثيره، وما أشبه

ذلك.

كذلك يكون أفين الرأي من يقول للناس عليكم أن تبحثوا قبل الإيمان عن أسباب

المعجزة الثابتة التي رأيتموها أو نقلت إليكم بالتواتر حتى كأنكم كنتم حاضريها،

كيف أوجدها الله تعالى ثم تبحثوا أيضا عن كل ما جاء في الشرع لتعلموا بالدليل

النظري لم كان كذلك، وكيف كان وبعد ذلك كله آمنوا إذا عرفتم كل المسائل بالدليل

النظري، ولا تؤمنوا إذا لم تعرفوها.

يفتك المرض بمريض الجسد حتى يكون حرضا أو يكون من الهالكين، ولا

يقدر أن يقف على دقائق الطب بالنظر والتجربة، وكذلك تفتك الرذائل والعقائد

الباطلة بمريض النفس فتجعله مصيبة على نفسه وعلى الناس، ولا يصل بالنظر

إلى هذه الكيفيات، فبقي أن الصواب ما قرره الإسلام وهو أن النظر واجب في

الأصول التي تثبت بها معرفة الله تعالى وصحة النبوة، ومتى اعتقدنا بقدرة الله

وإرادته وعلوه، وكونه أوحى إلى بعض عبيده وألهمهم إرادة الناس إلى ما يسعدهم

في حياتهم الأخرى فإنه يسهل علينا أن نسلم بكل ما يقول الموحى إليهم (الأنبياء

عليهم السلام) تسليما، فإن وجدنا فيه شيئا يخالف ظاهره الدليل العقلي القطعي نرده

إليه بالتأويل أو نفوض الأمر فيه إلى الله مع الأخذ بالدليل العقلي، هذا ما أجمع

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤١١