لقوله هنا كقوله: (الفلسفة تفحص عن كل ما جاء في الشرع فإن أدركته استوى
الإدراكان، وكان ذلك أتم في المعرفة، وإن لم تدركه أعلمت بقصور العقل الإنساني،
وأن يدركه الشرع فقط كقوله: (أما الكلام في المعجزات فليس فيه للقدماء من
الفلاسفة قول؛ لأن هذه كانت عندهم من الأشياء التي لا يجب أن يتعرض للفحص
عنها وتجعل مسائل، فإنها مبادئ الشرائع، والفاحص عنها أو المشكك فيها يحتاج إلى
عقوبة عندهم مثل من يفحص عن سائر مبادئ الشرائع العامة مثل هل الله تعالى
موجود؟ وهل السعادة موجودة؟ وهل الفضائل موجودة؟ وإنه لا يشك في
وجودها، وإن كيفية وجودها هو أمر إلهي معجز عن إدراك العقول الإنسانية،
والعلة في ذلك أن هذه هي مبادئ الأعمال التي يكون بها الإنسان فاضلا ولا سبيل
إلى حصول العلم إلا بعد حصول الفضيلة، فوجب أن لا يتعرض للفحص عن
المبادئ التي توجب الفضيلة قبل حصول الفضيلة، وإذا كانت الصنائع العملية لا
تتم إلا بأوضاع ومصادرات يسلمها المتعلم أولا فأحرى أن يكون ذلك في الأمور
العلمية) اه بحروفه.
فالجواب أن هذا الكلام لا ينافي ذاك ولا يخالفه، بل هو مؤيد لقوله الأول
ولقول جميع أئمة المسلمين من السابقين عنه واللاحقين به إلى صاحب مقالات
(الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) ولو فرضنا أن بين القولين مخالفة لكان
الواجب اعتبار الأول لأنه مبين لمذهبه واعتقاده هو وسائر المسلمين على سبيل
القطع، وأما قوله هنا فهو حكاية عن الفلاسفة الأولين، ولا يضرنا مخالفتهم لنا
مادمنا واثقين بأننا على الحق المؤيد بالبرهان، على أن ابن رشد يقول هنا: إن
الفلاسفة الأولين لا يعارضوننا في هذه المسائل - أي أن مقتضى مذهبهم ذلك - وإلا
فقد صرح بأن ليس لهم كلام في هذه المسائل، أي التي ذكرها فالخلاف بينه وبين
الغزالي في هذا المقام محصور في نقل إنكار الفلاسفة في المليين مسألة المعجزات
ومبادئ الفضائل فالغزالي يسنده إليهم على الإطلاق، وابن رشد يقول: إنه لم يبحث
ذلك إلا ابن سينا والخطب سهل.
أما الوفاق فإنك تراه بديا يتكلم عن رأي الفلاسفة في الأديان ومبادئها لا في
الإسلام الذي هو أرقاها وهو مع ذلك يعترف بأمور لا تجعل الدين (المطلق) فوق
العقل، بمعنى أن فيه ما يحيله العقل ويقطع بعدم صحته (منها) أن ما لا تدركه
الفلسفة بنظرياتها فهو دليل على أن العقل الإنساني قاصر عن الوصول إليه بنفسه
فهو محتاج فيه إلى إرشاد الشرع، ولا شك أن العقل الإنساني قاصر حتى اليوم عن
إدراك كل ما بين يديه؛ فهو يستخدم الكهرباء وينتفع بها ولا يعرف حقيقتها فكيف
يعرف أمور الآخرة والنشأة الثانية؟
وليس معنى قولنا: إن دين الإسلام معقول أن كل مسائله يمكن أن تعرف
بالعقل استقلالا بل معناه أنه ليس فيه شيء يحكم العقل باستحالته ككون الواحد ثلاثة
والثلاثة واحدا، وكون الإله يتحد بالبشر، ولولا أن هذا هو المراد لكان العقل يستقل
بوضع الدين ولا يحتاج فيه إلى الوحي.
و (منها) قوله: إن مبادئ الدين كالمعجزات أمور موجودة لا يشك في
وجودها، والموجود لا يكون محالا لأن المحال لا يقبل الوجود، وقوله عنهم: إن
كيفية وجود أمر إلهي تعجز عن إدراكه العقول الإنسانية؛ لا يستلزم أن الدين غير
معقول أو أن فيه شيئا محالا في نظر العقل؛ لأن هذه الموجودات التي نحس بها ولا
نشك فيها قد عجزت عقولنا عن معرفة كيفية إيجادها؛ فعجزها عن معرفة كيفية
وجود المعجزات أولى، ويسهل على كل عاقل أن يميز بين ما هو مستحيل لا
يتصور العقل وجوده، وبين ما لا يشك في وجوده لكنه لم يصل إلى معرفة كيفية
حدوث هذا الوجود.
و (منها) أن هذه المبادئ الدينية الموجودة الثابتة يجب أن تؤخذ بالتسليم
والتقليد للشرع (لا لآراء الناس) من غير أن نسلط النظريات الفلسفية على البحث
في إمكانها، وفي كيفية وجودها؛ لأن هذا البحث سفه وضار، وأي سفه وضرر