تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

له وجه منفعة قط.

أما نحن الذين لا يهمنا إلا تسهيل سبيل الحج لأنه عبادة لله تعالى - ونحن

دعاة دين لا دعاة سياسة - فلم ينقطع أملنا من سمو الأمير ومن حكومته لأننا نعلم

أنهم لم يأمروا بما أمروا به ليصدوا الناس عن سبيل الله. كيف وحكومة مصر لا

تقاس بحكومة إسلامية أخرى كحكومة تونس مثلا؛ لأن أكبر شرف لها عند

المسلمين أنها تسير ركبا مخصوصا للحج وتقدم كسوة الكعبة فهي مساهمة للدولة

العلية في خدمة الحرمين الشريفين وهي جارة البلاد المقدسة. فحكومة عزيز مصر

لا يسهل عليها أن يخدش هذا الشرف ولا أن ينتقص. ولكنها أمرت بما أمر به

لتمنع الفقراء عن الحج خوفا عليهم وعلى البلاد في هذا العام فإذا لاحظت الآن أن

الأغنياء قلما يحجون لأنهم مشتغلون بتمتعهم، وهم أحرص الناس على حياة وأن

الخير في جميع الأمم إنما يكون غالبا في الطبقة المتوسطة، وأن أهل هذه الطبقة هم

أقرب إلى الصحة من الأغنياء لقلة الإسراف وقلة الوهم والوساوس، ولكن يثقل

على الأكثرين منهم أن يعطي أحدهم الحكومة خمسين جنيها أو سبعين غير ما يأخذه

معه وما يتركه لأهله وعياله من النفقة - وإذا لاحظت مع هذا أيضا أن الأمة كلها

مستاءة من ثقل هذه الفريضة، وتشكو منها وتطلب تخفيفها وكل الحكومات العادلة

والدستورية تحترم الرأي العام - فلا غرو أن يأمر مولانا الأمير - أعزه الله -

باجتماع مجلس النظار ثم يصدرون أمرا آخر بتخفيف ما فرض أولا إلى نصفه مثلا،

والنسخ معهود في الشرائع السماوية وفي القوانين الوضعية بالأولى. يجب أن

يكون الأمير وحكومته محل الرجاء وغاية ما نرجو من حرية المحتلين أن لا

يعارضوا في مثل هذا الأمر الديني وما كانوا معارضين.

إذا كان غرض الحكومة أن يكون ركب الحج في هذا العام مؤلفا من أهل

اليسار فما كان أجدر الموسرين بالانتظام في هذا السلك الدري الذي لا خرز بين

درره ولآلئه، ونخص بالذكر المترفين الذين يؤخرون الحج لما يكون فيه من الزحام

وقلة العناية بالنظافة لصعوبتها مع كثرة السواد من الفقراء. ولو هزت الأريحية

الإسلامية بعض النظار إلى الحج لكان فيمن يحج منهم هذا العام أسوة حسنة لكثير

من الأغنياء ولكان أجره بذلك عند الله مضاعفا ومقامه في نفوس المصريين رفيعا

مشرفا، وإذا لم يبادر عدد كبير من الأغنياء إلى الحج لإحياء شعائره وحفظ شرف

مصر الديني فلا سلام على الأغنياء. ولا زادهم الغنى إلا تعاسة وشقاء.

***

(الجامعة الدينية والجامعة الوطنية)

بينا رأينا في الجامعتين مرات كثيرة وأحسن ما كتبناه في ذلك وأوضحه مقالة

مسهبة في المجلد الثاني من المنار عنوانها (الجنسية والدين الإسلامي) أثبتنا فيها

بالبرهان المعقول أن تمسك المسلمين بدينهم واعتصامهم بعروة جامعته هو المؤلف

الوحيد بين مصالحهم ومصالح من يساكنهم في بلادهم، والحامل لهم على موادة من

ليس على دينهم ففيه معنى الوطنية التي يطلبها بعض عقلاء المسيحيين في الشرق

لعلمهم بأن سعادته في تأليف بين شعوبه المتفرقين في الدين تفرقا كثيرا. ومن

هؤلاء العقلاء بعض أصحاب الجرائد السورية المسيحية في سوريا ومصر وأمريكا

ومما نعتقد فيه الإخلاص من هذه الجرائد (المناظر) ، ويعرف أصدقاؤنا في مصر

أننا كثيرا ما فضلناها على غيرها من الجرائد العربية، ونوهنا بموضوعاتها

النافعة.

ومن الناس المشتغلين بالصحافة من يلغط بالوطن والوطنية بغير علم ولا هدى

منهم الذي يلقب في المنار بحدث السياسة؛ فإنه خلق وطنية لا يعرفها أحد سماها

(الوطنية الحقة) ومعناها أن يبغض المصري المسلم كل من ليس مصريا؛ لأنه ليس

وطنيا وإن كان كالمصري في لغته ودينه وجنسيته السياسية، وهي (العثمانية)

وأن لا يحب القبطي المصري لأنه مسلما. فهذه الوطنية الباطلة التي لا يتصور فيها

العاقل إلا المضرة هي التي تحمل عليها في المنار حملاتنا المعروفة، وإننا نرى

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٤٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٤٠١