شيء وتتعلق الأوطان بحبال همتهم عساهم يأتون فعلا مذكورا هم أولئك الشبان
ومن في حكمهم المحمديون المهذبون الذين يقال فيهم: إن شاب رأى القوم عند
شبابهم الذين يفتخرون بدينهم فيحرصون على القيام بمبانيه الأساسية نحو الصلاة
والصوم ويتجنبون مناهيه الأصلية نحو الميسر والمسكرات الذين لا يقصرون بناء
قصور الفخر على عظام نخرها الدهر ولا يرضون أن يكونوا حلقة ساقطة بين
الأسلاف والأخلاف الذين يعلمون أنهم خلقوا أحرارا فيأتون الذل والإسارة، الذين
يودون أن يموتوا كراما ولا يحيون لئاما، الذين يجتهدون أن ينالوا حياة راضية
حياة قوم كل فرد منهم سلطان مستقل في شئونه لا يحكمه غير الدين وشريك أمين
لقومه يقاسمهم ويقاسمونه الشقاء والهناء وولد بار بوطنه لا يبخل عليه بجزء طفيف
من فكره ووقته وماله، الذين يحبون وطنهم حب من يعلم أنه خلق من ترابه، الذين
يعشقون الإنسانية ويعلمون أن البشرية هي العلم، والبهيمية هي الجهالة، الذين
يعتبرون أن خير الناس أنفعهم للناس الذين يعرفون أن القنوط وباء الآمال، والتردد
وباء الأعمال، الذين يفقهون أن القضاء والقدر هما السعي والعمل، الذين يوقنون
أن كل ما على الأرض من أثر هو من عمل أمثالهم البشر فلا يتخيلون إلا المقدرة
ولا يتوقعون من الأقدار إلا خيرا.
وأما النشء المتفرنج فلا خير فيهم لأنفسهم فضلا عن أن ينفعوا أقوامهم
وأوطانهم شيئا وذلك لأنهم لا خلاف لهم تتجاذبهم الأهواء كيف شاءت لا يتبعون
مسلكا ولا يسيرون على ناموس مطرد؛ لأنهم يحكمون الحكمة فيفتخرون بدينهم
ولكن لا يعلمون به تهاونا وكسلا [4] ويرون غيرهم من الأمم يتباهون بأقوامهم
ويستحسنون عاداتهم ومميزاتهم فيميلون لمناظرتهم ولكن لا يقوون على ترك
التفرنج كأنهم خلقوا أتباعا [5] ويجدون الناس يعشقون أوطانهم فيندفعون للتشبه بهم
في التشبيب والإحساس فقط دون التشبث بالأعمال التي يستوجبها الحب الصادق،
والحاصل أن شئون النشء المتفرنج أيضا لا تخرج عن تذبذب وتلون ونفاق يجمعها
وصف (لا خلاق لهم) والواهنة خير منهم؛ لأنهم متمسكون بالدين ولو رياء
وبالطاعة ولو عمياء على أنه يوجد في المتفرنجة أفراد غيورون كالراسخين من
أحرار الأتراك الملتهبين غيرة يقتضي احترام مزيتهم.
ثم قال (السيد الفراتي) : إن الخور المبحوث فيه علة معدية تسري من
الشيوخ إلى الشبان ومن الطبقة العليا إلى العامة وليت الشيوخ والكبراء يرضون بما
كتبه الله عليهم من الذلة والمسكنة والخمول وسقوط الهمة والدناءة والاستسلام
فيتركوا أهل النشأة الجديدة وشأنهم لا يستهزئون ولا يعطلون ولا يسفهون ولا
يثبطون وما أظنهم بفاعلين ذلك أبدا إلا أن تتصدى لهم جرائد مخصوصة تقابلهم
باللوم والتبكيت وتتساقط عليهم أقلام الأدباء وألسنة الشعراء بوضع أهاجي وأناشيد
بعبائر بسيطة محلاة بنكت مضحكة لكي تنتشر حتى على ألسنة العامة، وبمثل هذا
التدبير تثور حرب أدبية بين النشء والواهنة لا تلبث أن تنتهي بانكسار الفئة الثانية
أولئك البائسين المتفاشلين المتواكلين المتقاعسين المتخاذلين المتشاكسين العاجزين
عن كل شيء إلا التعطيل.
ومن راجع تواريخ الأمم التي استرجعت نشأتها والدول التي جددت عصبيتها
يجد من حكمائها ونجبائها مثل حسان قريش وكميت العباسيين ولوثر الألمانيين
وفولتيير الفرنساويين قد تغلبوا على الفكر الواهن وأنصاره من الأشراف
والشيوخ وأهل العناد والفساد بحمل لواء النشء، وإثارة حرب أدبية حماسية بين
الفئتين على أننا نحن تكيفنا الضوضى ولا نحتاج قط للفوضى؛ لأن واهنتنا أضعف
من أن تحوجنا أن ننتظر أم حسان تلد حسانا ورب حيلة أنفع من قبيلة. وهذا أنجع
دواء والله ولي النيات.
ثم ختم (السيد الفراتي) كلامة بقوله هذا ما سنح لي في هذا المرام وقام
وتبادل مع الفاضل الشامي والبليغ الإسكندري المقام.