من مقاصد الشرقيين بخلاف الغربيين الذين لا يهمهم غير التوسع في الماديات
والملذات.
وقد أمرت الشريعة برعاية الكفاءة في الزوج وذلك أيضا مرحمة بالرجال
ولكن الأئمة المجتهدين أغفلوا لزوم تحري الكفاءة في جانب المرأة للرجل وأوجبوا
أن يكون هو كفؤا لها فقط لكيلا تهلكه بفخارها وتحكمها على أن لرعاية الكفاءة
في المرأة بالنسبة إلى الرجل أيضا موجبات عائلية مهمة منها التخير للاستسلام
والتخير لتربية النسل، وللتساهل في ذلك دخل عظيم في انحلال الأخلاق في المدن؛
لأن للتزوج بمجهولات الأصول أو الأخلاق أو بسافلات الطباع والعادات أو
بالغربيات جنسا أو الرقيقات مفاسد شتى؛ لأن الرجل ينجر طوعا أو كرها لأخلاق
زوجته فإن كانت سافلة يتسفل لا محالة، وإن كانت غريبة بغضت إليه قومه
وجرته إلى موالاة قومها والتخلق بأخلاقهم ولا شك أن هذه المفسدة تستحكم في
الأولاد أكثر من الأزواج.
وربما كان أكبر مسبب لانحلال أخلاق الأمراء من المسلمين أتاهم من جهة
الأمهات والزوجات السافلات؛ إذ كيف يرجى من امرأة نشأت سافلة رقيقة ذليلة [2]
أن تترك بعلها وهو في الغالب أطوع من خلخالها أن يجيب داعي الشهامة أو المروءة
أو أن تغرز في رءوس صبيتها مقاصد سامية أو تحمسهم على أعمال خطرة! كلا،
لا تفعل ذلك أبدا، إنما تفعله الشريفات اللاتي يجدن في أنفسهن عزة وشهامة [3] وهذا
هو سر أن أعاظم الرجال لا يوجدون غالبا إلا من أبناء وبعول نسوة شريفات أو
بيوت قروية، وهذا هو سبب حرص أمراء العرب والإفرنج على شرف الزوجات.
(ثم قال السيد الفراتي) أيضا: وإني أرى أن هذا الفتور بالغ في غالب
أهل الطبقة العليا من الأمة ولا سيما في الشيوخ مرتبة (الخور في الطبيعة) لأننا
نجدهم ينتقصون أنفسهم في كل شيء ويتقاصرون عن كل عمل ويحجمون عن كل
إقدام ويتوقعون الخيبة في كل أمل، ومن أقبح آثار هذا الخور نظرهم الكمال في
الأجانب كما ينظر الصبيان الكمال في آبائهم ومعلميهم فيندفعون لتقليد الأجانب
وأتباعهم فيما يظنونه رقة وظرافة وتمدنا وينخدعون لهم فيما يغشونهم به كاستحسان
ترك التصلب في الدين والافتخار به فمنهم من يستحي من الصلاة في غير الخلوات،
وكإهمال التمسك بالعادات القومية فمنهم من يستحي من عمامته، وكالبعد عن
الاعتزاز بالعشيرة كأن قومهم من سقط البشر، وكنبذ التحزب للرأي كأنهم خلقوا
قاصرين، وكالغفلة عن إيثار الأقربين في المنافع، وكالقعود عن التناصر والتراحم
بينهم كي لا يشم من ذلك رائحة التعصب الديني وإن كان على الحق - إلى نحو ذلك
من الخصال الذميمة في أهل الخور من المسلمين الحميدة في الأجانب؛ لأن الأجانب
يموهون عليهم بأنهم Hkkkkkkkkkkkيحسنون التحلي بها دونهم.
وهؤلاء الواهنة يحق لهم أن تشق عليهم مفارقة حالات ألفوها عمرهم كما قد
يألف الجسم السقم فلا تلذ له العافية فإنهم منذ نعومة أظفارهم تعلموا الأدب مع الكبير
يقبلون يده أو ذيله أو رجله، وألفوا الاحترام فلا يدوسون الكبير ولو داس رقابهم،
وألفوا الثبات ثبات الأوتاد تحت المطارق، وألفوا الانقياد ولو إلى المهالك، وألفوا
أن تكون وظيفتهم في الحياة دون النبات ذاك يتطاول وهم يتقاصرون، ذاك يطلب
السماء وهم يطلبون الأرض كأنهم للموت مشتاقون، وهكذا طول الألفة على هذه
الخصال قلب في فكرهم الحقائق وجعل عندهم المخازي مفاخر فصاروا يسمون
التصاغر أدبا والتذلل لطفا والتملق فصاحة واللكنة رزانة وترك الحقوق سماحة
وقبول الإهانة تواضعا والرضاء بالظلم طاعة كما يسمون دعوى الاستحقاق غرورا
والخروج عن الشأن الذاتي فضولا ومد النظر إلى الغد أملا والإقدام تهورا والحمية
حماقة والشهامة شراسة وحرية القول وقاحة وحب الوطن جنونا.
ثم قال وليعلم أن النشء الذين تعقد الأمة آمالها بأحلامهم عسى يصدق منها