خبرته في انتخاب بقية الوزراء والسيطرة عليهم في الكليات، فالملك مهما كان
عاقلا حكيما لا يقدر على إتقان أكثر من وظيفته المذكورة، فالملك إذا تغرر وتنزل
للتداخل في أمور السياسة أو الإدارة الملكية أو الأمور الحربية أو القضاء فلا شك
أنه يكون كرب بيت يداخل طباخه في مهنته، ويشارك بستانيه في صنعته؛ فيفسد
طعامه ويبور بستانه فيشتكي ولا يدري أن آفته من نفسه.
ومن (الغرارة) اللوث في الأمور أي تركها بلا ترتيب، والحكمة قاضية
على كل إنسان ولو كان زاهدا منفردا في كهف جبل فضلا عن سائس رعية أو
صاحب عائلة أن يتخذ له ترتيبا في شئونه وذلك بأن يرتب:
(أولا) أوقاته حسب أشغاله ويرتب أشغاله حسب أوقاته والشغل الذي لا
يجد له وقتا كافيا يهمله بالكلية أو يفوضه لمن يفي حق القيام به عنه.
(ثانيا) يرتب نفقاته على نسبة المضمون من كسبه، فإن ضاق دخله عن
المبرم من خرجه يغير طرز معيشته ولو بالتحول مثلا من بلده الغالية الأسعار أو
التي مظهره فيها يمنعه من الاقتصاد إلى حيث يمكنه ترتيبها على نسبة كسبه.
(ثالثا) يرتب تقليل غائلة عائلته عند أول فرصة ملاحظا إراحة نفسه من
الكد في دور العجز من حياته فيربي أولاده ذكورا أو إناثا على صورة أن كلا منهم
متى بلغ أشده يمكنه أن يستغني عنه بنفسه معتمدا على كسبه الذاتي ولو في غير
وطنه.
(رابعا) يرتب أموره الأدبية على نسبة حالته المادية، أعني يرتب أموره
الدينية ولذاته الفكرية وشهواته الجسمية ترتيبا حسنا فلا يحمل نفسه منها ما لا تطيق
الاستمرار عليه.
(خامسا) يرتب ميله الطبيعي للمجد والتعالي على حسب استعدادة الحقيقي
فلا يترك نفسه تتطاول إلى مقامات ليس من شأن قوته المادية أن يبلغها إلا بمحض
الحظ أي المصادفة، وخلاصة البحث أن الغرارة من أقوى أسباب الفتور الشخصي
ليس من عقيمات الأمور.
ثم قال إن لانحلال أخلاقنا سببا مهما آخر أيضا يتعلق بالنساء وهو تركهن
جاهلات على خلاف ما كان عليه أسلافنا حيث كان يوجد في نسائنا كأم المؤمنين
عائشة رضي الله عنها التي أخذنا عنها نصف علوم ديننا وكمئات من الصحابيات
والتابعيات راويات الحديث والمتفقهات فضلا عن ألوف من العالمات والشاعرات -
اللاتي في وجودهن في العهد الأول بدون إنكار- حجة دامغة ترغم أنف الذين
يزمعون أن جهل النساء أحفظ لعفتهن فضلا عن أنه لا يقوم لهم برهان على ما
يتوهمون حتى يصح الحكم بأن العلم يدعو للفجور وأن الجهل يدعو للعفة، نعم،
ربما كانت العالمة أقدر على الفجور من الجاهلة ولكن الجاهلة أجسر عليه من
العالمة، ثم إن ضرر جهل النساء وسوء تأثيره في أخلاق البنين والبنات أمر
واضح غني عن البيان، وإنما سوء تأثيره في أخلاق الأزواج فيه بعض خفاء
يستلزم البحث فأقول:
إن الرجال ميالون بالطبع إلى زوجاتهم، والمرأة أقدر مطلقا من الرجل في
ميدان التجاذب للأخلاق ولا يتوهم عكس ذلك إلا من استحكم فيه تغرير زوجته له
بأنها ضعيفة مسكينة مسخرة لإرادته حال كون حقيقة الأمر أنها قابضة على زمامه
تسوقه كيف شاءت، وبتعبير آخر يغره أنه أمامها وهي تتبعه فيظن أنه قائد لها
والحقيقة التي يراها كل الناس من حولهما دونه أنها إنما تمشي وراءه بصفة سائق لا
تابع، وما قدر قدر دهاء النساء مثل الشريعة الإسلامية حيث أمرت بالحجب
والحجر الشرعيين حصرا لسلطتهن وتفرغهن لتدبير المنزل فأمرت باحتجابهن
احتجابا محدودا بعدم إبداء الزينة للرجال الأجانب وعدم الاجتماع بهم في خلوة أو
لغير لزوم، وأمرت باستقرارهن في البيوت إلا لحاجة ولا شك أنه ما وراء هذه
الحدود إلا فتح باب الفجور، وما هذا التحديد إلا مرحمة بالرجال وتوزيعا لوظائف
الحياة.
والصينيون وهم أقدم البشر مدنية التزموا تصغير أرجل البنات بالضغط عليها
لأجل أن يعسر عليهن المشي والسعي في إفساد الحياة الشريفة ذاك الشرف الذي هو