وآداب جميلة مهذبة للنفوس ومعينة للقانون وعند قراءتنا في ماضي الإنسان نجد أن
الله جبر نقصه هذا فاصطفى من البشر ناسا هداهم، أوحى إليهم، علمهم شرائع
وآدابا كما اقتضته حاجة الناس، وما وجدنا قط أمة مرتقية ليست على أساس واحد
من أسس الدين الذي جاء به المصطفون.
وهذا التضاد كما هو دليل (أول) على ما ذكرناه هو دليل (ثان) على أن
الباري تعالى هو المدبر للموجودات، لأن تصرف الإنسان الذي نوهنا به تصرف
ناقص كما هو محسوس، وتصرف إحدى القوتين ناقص أيضا كما هو معقول ولا
بد لنا من تصرف أكمل؛ لأنه ظهر لنا شيء شاهد أن هنالك فوقه ما هو أكمل
فالتصرف الأكمل هو لأكمل شيء فيجب أن يكون هو الباري تعالى رب العالمين،
فكان الله تعالى خلق الإنسان خلقا خاصا مدركا ليعرفه بنفسه وخلق فيه أمثلة من
الكمال ليعلم كمال الله ويعرف أن يمجده -وهو الغني- بعبارات يستعيرها، وأوصاف
يستعين بها مما عرف من الكمال المتجلي بنفسه المصنوعة على أبدع مثال في
المحسوس، وأقرب مثال في المعقول، ثم ليدل بنقصه على كماله لم يجعله جازما
مستقلا في إرادته ولا دائما مستمرا في حياته، ولا متحدا منتظما في كلامه، ولا
مجيدا في كل تصرفه، ولا كاشفا لكل شيء في علمه، بل لم يجعل أفراده وهم
واحد في النوع على نسق واحد في الإرادة والحياة والكلام والقدرة والعلم، فكأنه
أراد أن يبين بهذا التفاوت في الأحوال والدرجات ناقصا منهم وأنقص وكاملا وأكمل
لتجلي برهانه أن له السلطان والملك وبيده الأمر كله والحكم.
وهو دليل (ثالث) على أن الشرائع والآداب التي جاء بها المصطفون إنما
هي وحي منه؛ لأنها معرفة به بادئ بدء نصا على وفق ما تعرف به خلقة الإنسان
حالا وإشارة، وهذا أكمل تعريف وهيهات أن يستقل به عقل الإنسان الناقص
المتردد والتعريف الحق به هو أول ركن من أركان الشرائع التي يراد بها زجر
النفوس، و (محمد) ذلك الرسول العربي قد لبث في الأميين زمنا طويلا من عمره،
ثم ظهر عليهم وهو الأمي بمعارف من عالم الغيب يملأ شرحها على أسلوب الفلسفة
دفاتر، وأتى من القواعد العامة التي تصلح شرعا لكل زمان ومكان بما يملأ التفريع
عليه أسفارا، ومن الآداب الجميلة بكلمات يسيرة، بما يعجز أساطين علم الأخلاق
عن ترتيب مثلها بدواوين، قام بالأمر وحيدا وصدع بالهدى على رؤوس الملأ فقوبل
الرد والدع، فصبرت نفسه ولم تجزع همته ولم تصغر، واشتد عزمه ولم يضعف،
وما زال يخطب ويدعو، ويؤنب طورا ويترفق مرة، حتى انتصر وأمر أمره،
وتهذب على يديه جماعة منهم يقوون أن يتسلطوا بسلطاني العدل والإحسان على
الأرواح والأشباح وما زال اسمه يسمو، ودينه ينمو، حتى طاف المشارق
والمغارب، واستقر في نفوس الأعاجم والأعارب، فما في دينه من الأدب الرافع،
والنظام النافع، وما في قومه الذين رباهم وأرشدهم من علو الهمة، ومضاء
العزيمة، وما في سيرته الخصوصية من الكمال الإنساني البديع، وما في بقاء قرآنه
على الحفظ من التبديل، وما في وعوده التي وعد بها المؤمنين (كتمكنهم
في الأرض وصيرورتهم خلفاء في الأرض) من الصحة، كل هذه تكفي من
سلمت فطرته، وصحت فطنته أن يعلم صحة دعواه، وفضيلة هداه، ولا ينكر
هذا إلا مقلد أو معاند، اللهم صل وسلم عليه ما شكرك الشاكرون، وذكره
الذاكرون.
(اليوم الآخر)
بين الفلاسفة والمتكلمين اختلافات كثيرة في إمكان الحشر وعدمه وفي وقوعه
وعدمه، وفي لزومه وعدمه، وفي كيفيته، ونحن نختم هذه الرسالة بهذه الكلمة:
العقل حين يرى أن الإنسان لم يبلغ في هذه الحياة غايته من سبيل الارتقاء لا
من حيث الصورة؛ لأنه يموت، ولا من حيث الحال؛ لأنه في شقاء الطلب
والهرب، وفي شقاء التردد بين الحصول والحرمان والتوفيق والخذلان، ولا من
حيث العقل؛ لأنه محجوب عن عالم الغيب، يجنح إلى أنه لا بد من يوم آخر ليبلغ