البساطة وبعد التركيب كل ذلك يرشدنا إلى أن عالم الغيب (أي الأسرار التي حجبت
عنا) واسع، وقلة ما انكشف لا ترشدنا إلى انحصاره فيها وإحاطتنا بمجموعها، بل
ترشدنا إلى أن ما جهلناه كثير بالنسبة إلى ما عرفناه وتأمرنا أن نقف عن تعيين طرف
لهذا الميدان الذي خولت البصيرة أن تجول فيه وحرم البصر.
قلت: في فكري إن الإنسان محكوم في خلقته لنواميس تحدث خواطره
وخواطره متضادة متنازعة كمال التضاد والتنازع، فإما أن هنالك قانونين متضادين
(من جنس القوه التي هي العقل) مسلطتين عليه وتصرفه تابع لنفوذهما على
النسبة، وإما أن الأثرين المتضادين منفعلان عن المزاج الإنساني المركب من
متضادات، وعلى الرأي الأول فالقوتان إما لهما وجود خارج الجسد أو لا وجود
لهما إلا في الجسد، وإن وجدا خارج الجسد، فالمادة التي تقومان بها إما بسيطة
وإما مركبة، هذه أسئلة تخطر في بال الذين يريدون أن يتوصلوا للحقائق من
طريق كونيتها لا من طريق اسميتها، والعقل السليم يعلم أن هذه الاحتمالات كلها
جائزة، والقول بكل واحد ينفع في الدلالة على أن النواميس التي لها نفوذ على
الإنسان هي أمور وجودية لها العلاقة العظمى في تفاوت أفراد النوع العاقل هذا
التفاوت العظيم الذي يرينا رجلا يعلم أفضل شرع وأكمل آداب، ورجلا يكشف سر
البخار والكهرباء وما يفعلان من سحر الألباب بروائع آثارهما وبدائعهما، ورجلا
يستحوذ على قلوب الألوف المؤلفة ببيان يبديه ويستنزل النفوس عن محبة الحياة
بين القواصف والقواذف، ورجالا لا يعرفون من الأمر إلا حيوانية وموتانا.
ولنا أن نقول: إن النسبة بين الإنسان وبين من هو دونه محفوظة بواسطة
قريبة منه ومن التي هي دونها (كالنبات مثلا هو قريب من الحيوان لنموه مثله من
الجماد لعدم تحركه بالإرادة مثله) ، ونعلم قطعا أن الإنسان على عظمته في الأرض
غير كامل، إما من حيث الصورة فلفنائها، وأما من حيث الخاصة فلتردده في
تحصيل ما يعتبره سعادة (ولذلك يعيش الإنسان في هذه الدار شقيا على كل حال إما
بالآلام والأتعاب الجسدية، وإما بالآلام والأتعاب الفكرية، وإما بهما معا) فيجب أن
تكون النسبة المحفوظة بالتسلسل مع من دونه محفوظة أيضا مع من فوقه، وليس
في عالم الحس فوقه شيء.
ففي عالم الغيب متضادان (تضاد المليح والقبيح) لهما علاقة بالإنسان كعلاقة
الإنسان بمن دونه، وعلاقة الإنسان بمن دونه هي احتياجه إليها لتكميل خاصته
واحتياجها إليه لظهور خواصهما فعلاقة هذين هكذا: يحتاجان إليه (بسنة الله في
الخلق) لتكميل خواصهما ويحتاج إليهما لظهور خاصته، هذا القدر يكفيني ويكفيك
ولا تسلني عن اسميهما وكنههما فإني أكره جدا أن يختلف العقلاء بسبب الأسماء
وأحب أن يتقاربوا من صوب المعاني ويعتبروا الدلالات عرضا تابعا ويتساهلوا مع
بعضهم في الاصطلاحات كيلا يكون سبب اختلافهم.
أما خاصة الإنسان التي يطلب تكميلها ما دام حيا فهي التصرف بعوالم هذه
الأرض، فأما الذين تغلب فيهم فهو محبة الخير فيلهمون تصفية العقل الغريزي
(القابل للصفاء والكدورة) فتظهر في مرائي أفكارهم صور المعقولات، وتشرق
عليهم من عالم الغيب أسرار معارف يحسن بها تصرفهم وتحمد آثارهم ويبقى
ذكرهم حيا إذا اضمحلت صورهم يوما من الأيام، وأما الذين تغلب فيهم القوة
الأخرى المضادة فتكدر عقولهم وتتشوش بكثرة الوساوس والتردد ويكثر شقاؤهم في
طلب المشهيات المادية ولن تنتهي وحرمانها أكثر من حصولها وألم التزاحم عليها
والتذابح لا توازيه ولا تسكنه لذتها، فبسوء تصرفهم تذم عقباهم ويموت ذكرهم كما
يموت ذكر الأنعام التي تحيي زمانها ثم تهلك.
ولما كان الإنسان على هذه الصورة من التضاد المحسوس الذي يبتدئ في
النفس على وجه التردد ثم ينفرج وتتمادى به الخطوط المتباينة وكان بحكم هذا
التضاد منقسما إلى أبرارهم أقل وأشرارهم أكثر لم يستغن عن قانون عام عادل