تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيه الإنسان غايته من حيث عدم الفناء، ومن حيث عدم الحجاب، ومن حيث

التخلص من الأضداد، فينقسم فيه الناس إلى نصفين متباينين قسم في جنة نعيم

البال وسعادة الرضاء بما كسبوه في حسن تصرفهم ونعم المصير، وقسم في سعير

شقاء الحال وشقاء الندم على ما اجترحوه بسوء تصرفهم وبئس المصير.

لتعي هذا أوجه حسك وعقلك إلى انتهاء الأجسام المركبة الفانية إلى أجسام

بسيطة باقية سواء رجعت بها إلى المبدأ أو ذهبت بها إلى المصير بتصيير ما، فهذا

يرشدك إلى إمكان أن يرجع الشيء الباقي لأصله مهما امتزج بغيره،

والروحيون من الفلاسفة لا يقولون بفناء الروح كما لا يقول الماديون منهم بفناء

البسائط، فالروحي أن يلزمه أن لا يستبعد رجوع هذه الروح يوما من الأيام كما

جاءت أولا للماهية التي عرفت بها لتبلغ تلك الماهية بهذه الروح في ذلك اليوم

غايتها التي أعدت لها، والمادي يلزمه أن لا يستبعد امتزاج تلك البسائط امتزاجا تاما

في يوم آخر كالامتزاج الأول الذي حصلت منه ماهية حي من الأحياء ليبلغ هذا الحي

بهذا الامتزاج الثاني (الذي يحصل على كيفية ثانية) في هذا اليوم الآخر غايته

التي أعدت له، وعار على من يعلم أن الماس (هذا الجوهر الكريم عندنا) قد

استخلص من جنسه الفحم حتى صار كما يرى أن يستبعد أن يستخلص الإنسان (هذا

المخلوق المدرك الكريم عند فاطره تعالى) من جنسه الحيوان. وفريق منه

من نوعه الإنسان بأعظم من هذا المثال، أما إذا لم نقل باليوم الآخر فأين تمييز

الإنسان على الحيوان إذا ماتا ميتة واحدة، وأين تمييز الأبرار على الأشرار إذا

كان الأمر مقصورا على هذه الحياة.

أقول قولي هذا وأستغفر الله وأنيب إليه وأسأله لي ولكم الهداية والتوفيق إلى

سبل السلام. اه في رمضان سنة 1320

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (ع. ز)

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٨٠