في الحول للفقراء والضعفاء لتجبر الحاجة المضطرة، وبناء أحكامه على العدل في
الحقوق، وبناء آدابه على الإحسان للمخلوق.
هذه جملة الدين ولا والله لا تند فروعه عن قيود هذه الجملة، فيجدر بكم أيها
الأذكياء أن تتعرفوا بالدين وأسراره لتجمعوا بين فائدة الفلسفة التي تنور عقولكم،
وبين فائدة الدين التي تزكي نفوسكم، وإن سألتموني ما الدليل على صحة الوحي
الذي هو أساس الأديان، وما الدليل على صحة دعوى النبي العربي صلى الله عليه
وسلم، فأقول: إني لست بأعلم منكم فتفكروا يظهر لكم هذا الأمر العظيم على أنني
لا أضن عليكم بمبلغي مما عرفت.
(طريقة في إثبات الوحي)
إني تفكرت أولا (والإنسان خلق متفكرا) في: ما هو العقل الإنساني الذي
ميزه على الحيوانات المدركة بحواسها فقط بل ما هو الإدراك؟ فلم أستطع علم هذا.
سألت أعالم الناس الذين اجتمعت بهم من عرب وترك وفرس وهنود وإفرنج فلم
أهد لعلم هذا.
رجعت إلى آثار الموتى قلبت في الكتب أوراقا تعد بالآلاف فلم ألف المطلوب،
فسكنت إعياء عن طلبه سكونا حاليا، واكتفيت بمعرفة أنه قوة عظيمة قد رفعت
الإنسان إلى طبقات الكواكب، وهو لم يتحرك لجهتها فأرته بغير عينه بدائع
صنعها، وإتقان نظامها، وصورة دورانها، وشكل تقابلها بعضها مع بعض،
وهبطت به إلى طبقات هذا الكوكب الذي هو فيه (الأرض) فأرته بعينه وبغير
عينه بدائع كونها، وخزائن أسرارها، وانتظام سيرتها، وبصرته أنه (أي الإنسان)
هو سلطان عوالمها، تنقاد كلها لتصرفه، وتصير تحت أمره، فهو المنفرد في
الأرض بحياة جامعة للعلم (بالشاهد والغائب) والقدرة (على التصوير والتشكيل)
والإرادة (لما يلزم البدن وما يلزم العقل) والكلام (الذي يبلغ به إرادته للحاضر
معه بواسطة الآلة البدنية الطبيعية، وللغائب عنه بواسطة الآلات الجمادية الصناعية،
منها هذه الكتابة التي تبلغنا كلام من قبلنا من أهل الأدوار، وتبلغ كلامنا للنائي..
والآتي بعدنا في الأجيال.. هذا التلغراف الذي يسمع به المشرقي ما يريد المغربي
في لحظة من الزمان) والسمع (الذي نفهم به إرادة غيرنا) والبصر (الذي يطبع
في فكره صور الأشياء) فبمجموع مزايا هذه الحياة كان له السلطة والتصرف في
عوالم هذه الأرض تصرفا تابعا لنواميس هي فوق إرادته، وفوق سمعه وبصره
وفوق علمه وقدرته، وفوق أمره ونهيه.
هذا القدر عرفت بادئ بدء من آثار تلك القوة العظيمة التي هي العقل، وبهذا
القدر تم لي معرفة أن هذه القوة هي أكمل وأعظم قوة في العوالم الأرضية،
وإن تلك النواميس التي هي فوقها وحاكمة عليها يجب أن تكون من عالم آخر.
ما هو ذلك العالم؟ هذه نقطة ثانية عرج إليها فكري وفي هذه الدرجة وقف
عقلي زمانا كثيرا يلتمس الدليل في معراجه هذا، ثم أتاه الدليل من نفسه، فقال:
إن ذلك العالم هو المحجوب عن حسنا المعروف المألوف عند تصورنا، هو عالم
الحقائق والقوى والطبائع التي نعرفها بآثارها ونجهل كنهها وذواتها، هو عالم
الغيب وهو بحر عظيم لا ساحل له، والذي ظهر لنا منه نقط قليلة بعد ظهور
أمثلتها في عالم الشهادة.
قال بعض الأذكياء: (كنا لا ندرك السر في قيام هذه الكرة في الفضاء، ثم
علمنا من أمثلة ظهرت للحس أن هنالك قوه تمسكها، لا نرى تلك القوه بأبصارنا، ولا
نسمعها بآذاننا، ولا نحسها بأيدينا، ولا نشمها بأنوفنا، ولا نذوقها بفمنا، ولم تبلغها
عقول الأكثرين منا من المتقدمين والمتأخرين، واليوم أدركها بعض أقطاب العلم
الباحثين في أسرار الوجود وقرب إدراكها لعقولنا فصرنا نقول بها، ونلهج بالاسم الذي
وضع لها (الجاذبية) وكذلك كنا لا ندرك السر في حركتها ثم ظهر، وكنا لا نعلم
متى تكونت ومتى تحركت، ويدعي البعض اليوم أنهم يعلمون ذلك، وكذلك كنا لا
ندرك طبائع الأجسام البسيطة والناس اليوم إنما يعرفونها بآثارها وبخواصها في