أعين الأولين، وابسطها في أعين الآخرين، تجدهم متفقين كاتفاقهم على أن المرء
مأخوذ بعمله وهي المرتبة الأخيرة.
في هذه المسألة تولد من البحث غلاة من الفريقين غالية قالوا بالجبر المحض
وأفرطوا في تقريره ابتغاء تقريره وابتغاء تعطيل الشريعة، وعليه قالوا
بالاستقلال المحض وأفرطوا في تقريره ابتغاء التوصل لفصل الكون عن المكون في
كل الشئون، ويومئذ لا يتقى ولا يرجى ولا يدعى، وفي هذا مصادمة لنصوص
الدين وأسراره، على ما فيه من الرجم بالغيب واتباع الظن المحض الذي لا يليق
بالعقلاء؛ لأنه يضرهم ولا ينفعهم.
في هذه الأمثلة الستة قد أوضحنا تصديهم للمجادلة فيما لا خلاف فيه، وفيما
التبس عليهم من الأمر ولا أريد أن أتكلم على اختلافهم في خلود أصحاب الكبائر
وعدم خلودهم، بل ولا في اختلافهم في خلود الكفار وعدم خلودهم، وأكتفي في هذا
المحل بكلمة خرجت من بيت النبوة قالها أحد أئمة أهل البيت وهي: (إن الله أراد
منا أمورا، وأراد بنا أشياء تحجب عنا ما أراده بنا، وبين لنا ما أراده منا،
فالأجدر بنا أن نشتغل ونتعاون فيما أراده منا، ولا نتجادل فيما حجبه عنا مما أراده
بنا) .
هذا والكلمة الثانية من اللاتي أردنا أن نقولهن أوجهها للناس من أهل عصري
لا يزالون يحرصون على دراسة الكتب المدونة في علم الكلام ويجتهدون في حلها
وتفسيرها، ولا يسمحون لأنفسهم أن ينظروا في غيرها من كتب الفلسفة العصرية،
ولا أن يتعدوا حدود ما كتب لهم الأولون من اصطلاحات وتعريفات، وما قرروا
لهم وكتبوا عليهم من مذهب واعتقاد، أقول لهؤلاء:
(1) إن تلك الكتب كتبت على أسلوب الفلسفة القديمة، والآن قد تغيرت
الرسوم، ودرست الرقوم، وحدثت بعد تلك العلوم علوم، فاقرأوا ما تيسر فما
وجدتموه مباينا فاسعوا في معرفة أسباب التباين.
(2) علم الكلام فائدته على ما قالوا الترقي من حضيض التقليد إلى ذروة
الإيقان وأنتم في هذه الكتب تلتزمون مذهب رجل معين وتحفظون حدودا وتعاريف
ما أنزل الله بها من سلطان، ولا شهد لجملتها العقل بتبيان، فالذي تزعمون
الخلاص منه هو الذي أنتم فيه.
(3) إن الشبه التي تقرأونها في كتبكم هذه قد تسمعون خلافها فينبغي أن
تكونوا مستعدين للاحتجاج على كل شبهة كما هو مطلوبكم من هذه الكتب وهي لا
تفي بمطلوبكم هذا، والكلمة الرابعة أوجهها لناس آخرين من أهل عصري دأبهم
الاستهداء بالذين ماتوا. أقول لهؤلاء:
(1) إن الذين ماتوا لم تختبروهم، ولم تعلموا السبب في كثير من مقالاتهم.
(2) إن الناس قد يحدثون مقالات بحسب زمانهم ومكانهم وغرض نفسهم أو
حاكمهم.
(3) إن الحي شخصه محسوس، وحاله محدود، يقتدر المرء أن يعرف أن
الحكمة في مقالاته، والناس منهم مخلصون لا حكمة في مقالهم ولا سر ولا غرض
إلا قول الحق وبذل النصح ومنهم ضد ذلك.
(4) إن أخذ الأدلة عن الأحياء المخلصين والاستهداء بهم في دفع الشبه
أولى من الاستهداء بالذين لا نعلم من أمرهم شيئا، وأعني بهذا أن يعالج العصريون
أنفسهم من بعض الجمود.
والكلمة الخامسة أوجهها لناس آخرين من أهل عصري قد قرأوا شيئا من الفلسفة وما قرأوا شيئا من الدين فإما هم حيارى في الأمر وإما هم مارقون من الملة،
أقول لهؤلاء: إن طريقة الدين حنيفة سمحة، أركان اعتقاده معرفة أن لهذه
الموجودات موجدا هو (الله) ، وأنه لا يشبه شيئا من الموجودات، وأنه متصرف
فيها مدبرا لها، وأن الإنسان الذي ميزه في عوالم الأرض بالعقل مسئول عنده عن
عقله وعما عمل بعقله وأن محمدا صلى الله عليه وسلم النبي العربي أرسله ليتم مكارم
الأخلاق، ويرشد الناس على الإطلاق.
وأركان عباداته ذكر الله تعالى بصلوات خمس في اليوم لتخف الغفلة المهلكة،
وصوم شهر في السنة لتغلب النهمة المتعبة، وحج في العمر إلى حيث يتلاقى الإخوان
في البيت الحرام والمشاعر المعلومة لتتأكد الوحدة الملية وتزداد الألفة، وإيتاء الزكاة