قادر حي سميع بصير متكلم، وهو قديم، وصفاته عينه. وقال الأشاعرة: هي
أمور زائدة على ذاته لا هي عينه ولا هي غيره، ولكل كلمات سموها أدلة معروفة
في محلها. ونحن نقول إذا ترووا فلا خلاف، وتوضيحه أن الكل قائلون هو حي عالم
مريد قادر سميع بصير متكلم والكل قائلون: إن معنى الحي ذو حياة، والعالم ذو علم
إلى آخره، والكل قائلون هو واحد بلا تعدد، فإذا لم يبق إلا أن هذه الصفات زائدة أو
غير زائدة؟ بقي الخلاف لفظيا عند المدققين ولا يلزم من القول بها تعدد القدماء كما
توهم البعض، ولا من عدم القول بها نفيها كما توهم البعض، وليس للحس هنا مبلغ
من العلم، ولا للعقل سند في الحكم، ولا في الدين قول يحمل على الجزم.
أما الخلاف بين النقليين والعقليين فهو في فهم بعض الأشياء التي وصف بها
الباري وبعض الأعضاء التي نسبت إليه وهو في الظاهر خلاف مهم جدا، وقد
ظهرت آثاره من القول إلى الفعل، وخلاصته أن كل طائفة من هذين الفريقين
تنقسم طائفتين: معتدلة وغالية، فنحن لا ننكر وجود الخلاف حقيقة بين الغاليتين
منهما ولكن الخلاف بين المعتدلتين نرجعه لا إلى شيء، توضيحه أن المعتدلين من
النقليين قالوا: ورد الوحي بصفات للباري فنحن نقف مع عبارة الوحي وقفة
المتأدب الحكيم ونصفه بما وصفه لا ننفي معانيها ولا نعتقد أنها كالمعاني
المخصوصة بالمحدثات وهذه هي طريقة الصحابة ومن تابعهم عليها (قلت: وليس
على هذه من غبار) ثم المعتدلون من العقليين. قالوا: إننا قد علمنا أنه ليس كمثله
شيء فعلمنا من هذا العلم أن الكلمات الموهمة تشبيها لا يصح اعتقاد معانيها كما
يعتقد في المعاني المخصوصة بالمحدثات فاستفدنا لها معاني قريبة راعينا فيها قرائن
اللغة وقرائن كلام الوحي (قلت: وهذه أيضا ليس عليها من غبار) ولقد لاح من
هذا أن لا خلاف بين الفريقين، غاية الأمر أن أولئك أحجموا عن ادعاء التفسير
وهؤلاء أقدموا ولم يأتوا في تفسيرهم منكرا من القول ولا تباعدوا عن القرائن ولا
تعدوا حدود ما ورد من الكلمات، فهذا لا يعد خلافا.
أما الغالية من النقليين فاعتقدت الكلمات على ظاهرها وربما تعدتها إلى غيرها،
وأما الغالية من العقليين فلم تعتقد شيئا على ظاهره فلا هم منكرون للنصوص
ولاهم واقفون معها قط، وقد اشتبه على الناس الذين لم يعرفوا هذا التقسيم فاعتقدوا
بالسلف ومعتدلي الخلف ما لا يجوز لهم اعتقاده، هذا هو تحقيق الأمر في المسألة
ونحن من الغاليتين برآء، ومع المعتدلين سواء.
(6) ما هي أفعال ذلك الشيء؟ مر الجواب عن هذا آنفا مختصرا والكلام
هنالك مع الفلاسفة من غير المليين وأعدناه ههنا لخلاف في الظاهر بين المليين
الفلاسفة ومناظريهم، قال النقليون ومتابعوهم من المتكلمين: إن الله تعالى يفعل كل
شيء يقع في هذه الدنيا، وقال العقليون: إن الله تعالى خلق خواص وأسبابا وأسند
إليها الفعل، قلت: هذا أصل لمسألة مهمة، وهي أن الإنسان من جملة الأشياء
وفعله من جملة الأشياء، فعلى رأي الأولين أن الله يفعل الإنسان وفعله، وعلى رأي
الآخرين أن الإنسان يفعله الخاصة التي خلقها الله، وفعله يفعله هو بالخاصة التي آتاه
الله إياها.
وأقول: هل ثمة من لا يعجب من عدم تروي الفريقين في هذه المسألة التي
كل كلام فيها يرجع إلى نقطة واحدة، ألم يأن للذين آمنوا أن يعلموا أن الله خلق
الإنسان عاقلا متصرفا في هذه الدار بغيره من جماد ونبات وحيوان، ومحاسبا على
عقله وتصرفه، ومهانا أو مكرما بعمله فليقولوا كيفما شاءوا أن يقولوا، أفما هم
بمؤمنين بأن الإنسان محاسب على عمله ومجزي عليه؟ أراد المعتزلة أن ينفوا
الشرور والقبائح عن الباري، فقالوا: الإنسان هو يفعل فعله، وأراد أهل السنة أن لا
يثبتوا في الوجود معه فاعلا، فقالوا: الله هو الذي يفعل كل شيء. اطو المراتب في