تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الرابع فالجواب فيه بالاتفاق أن هذا يختلف باختلاف اللغات ولا يعرض

هذا الاختلاف للتصور تبعا للاختلاف في اللفظ كما لا تختلف النفوس في معرفة

الأبيض لكون الدال عليه مختلفا، ولا أرى العقلاء إلا متفقين على أن اختلاف

الاصطلاح كاختلاف اللغة فلا يجب تجافي الملي عن اصطلاح الفيلسوف ولا تجافي

هذا عن اصطلاح ذاك، هذه الكلمة تغنيك عن أكثر ما في علم الكلام الذي ولع أهله

بتشعيب الاختلافات التي منشأها اللفظ لا التصور وكما سترى في الأمثلة الآتية

وأنت قس عليها.

(2) كيف بدأ ذلك الشيء غيره؟ أي عاقل يتجاسر على ادعاء معرفة هذا

من طريق العقل على وجه اليقين، هل ثمة من يتجاسر على هذه الدعوى، وهل

من يتجاسر عليها عاقل؟ مع صعوبة هذه المسألة لا تجد الناس سكتوا في جوابها،

أما الملييون فحلها لهم الوحي فقالوا: أراد أن يوجد فأوجد، وقال ناس من الفلاسفة

نشأ عنه غيره وجوبا (أو عبارة هذا مآلها) وللفريقين كلام كثير، ولئن سألت

الملي هل تعرف إرادته؟ وهل يمكنك أن تشبهها بإرادتك التي تعرفها؟ ليكونن

جوابه لا، ولئن سألت الفيلسوف ما الذي أوجب أن ينشأ عنه غيره وهل تعرفه؟

ليقولن لا أعلم أو يخترع اسما يجوز أن يكون بمعنى الإرادة التي يقول بها الملي،

فكلاهما بالعجز عن الإدراك مشتركان، وعلى وجود غيره بتأثيره (المجهول

عندهما) متفقان على أن المتكلمين صرحوا بأن الإرادة القديمة (تلك التي لا

يعرفونها) توجب المراد.

(3) متى أوجد ذلك الشيء غيره؟ لم يجب عن هذه المسألة المتفلسفون ولا

اللاهوتيون المحمديون، ولكن قال اللاهوتيون (المتكلمون) : إن ذلك الموجد قديم

وفسروه بأنه غير مسبوق بعدم وأن الموجودات حادثة أي مسبوقة بعدم، وقال

المتفلسفون هو قديم وهي قديمة، وللفريقين كلام كثير، وهذه المسألة لا خلاف فيها

أيضا؛ لأنهم متفقون على أنه أوجدها وعلى أنهم يجهلون متى أوجدها، وما كان

للملي أن يقفو ما ليس له به علم من العقل، ولم يسمع فيه كلاما من الوحي، فليس

في الدين ما يحمله على الخوض في هذه المزال، وما كان للفيلسوف أن يجزم

بشيء لم يقم عليه دليل يقيني، فهما متفقان على العجز هنا إن تقاربا للحق، كما

اتفقا على العجز عن معرفة كيف أوجدها.

هذا والمليون (نقليوهم وعقليوهم) قد يسألون عن أشياء لا يسأل عنها

الفيلسوف الذي لم يتبع ملة، يسأل هؤلاء عن معنى نصوص لا يستطيعون إبقاءها

على ظاهرها كالنصوص القائلة أن السموات والأرض خلقت في ستة أيام، يقال

لهم: هل هي أيام مثل التي تعرفونها أم أيام أخرى لا تعرفونها؟ إن قلتم بالأول

فالأيام هذه إنما عرفت بعد خلق السموات والأرض، وإن كان المقصود مقدار مدتها

دل ذلك على أن هناك مدة وزمنا، وإن قلتم بالثاني (وهو ما نقوله) فقولوا نعرف

أنه خلقها، ولكن لا نعرف كيف خلقها، ومتى خلقها، ومم خلقها، ونؤمن بقول الله

تعالى: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها

قالتا أتينا طائعين} (فصلت: 11)

(4) لم أوجد ذلك الشيء غيره؟ وهذه محارة أيضا للعقل وينبغي أن

يجتمعا هنا أيضا على العجز عن المعرفة، على أن الملي يقول لحكمة خفية فيصح

أن يقول الفيلسوف مثله ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ (الإسراء: 85) .

(5) ما هي صفات ذلك الشيء؟ قلنا: ثمة الجواب مختصرا ولكن هذه

المسألة جديرة بزيادة البيان؛ لأن الخلاف العظيم فيها بين المليين أنفسهم، بين

النقليين منهم والعقلين أولا، وبين المعتزلة من العقليين والأشاعرة ثانيا، وأحب أن

أنفي الخلاف الحقيقي هنا كما نفيته بينهم وبين الفلاسفة في الأمثلة المارة.

قال النقليون ومتبعوهم من المتكلمين: إن الله قديم وعلمه قديم وحياته قديمة

وسمعه قديم وبصره قديم وكلامه قديم وإرادته قديمة وقدرته قديمة وفعله قديم، وقال

المعتزلة: هذا يوجب تعدد القدماء، فالله ذات مستجمعة لصفات، فهو عالم مريد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٧٤