تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والاستدلال قد رفعوا شأن العقل كما يجب له ووسعوا ميدان نظره، وقرروا آدابا مهمة

وقوانين محكمة في المناظرة من حيث هي وفي المناظرة في موضوعهم هذا

بخصوصه، من أهم تلك الآداب معرفة كل منهم أن مناظرهم نظيرهم، وعدم تكفير

بعضهم بعضا لمجرد المباينة بالفهم، ولا يلفتنك عن تسليم هذا شذوذ البعض عن هذا

الأدب المرعي المعتمد على أصل شرعي.

ومن أهم تلك القوانين تقريرهم جميعا أن الدليل العقلي يقدم على الدليل النقلي

عند التعارض ويستعان له بالمجاز والتأويل لئلا يذهب سدى كذا قال بعض الأذكياء، وأقول يا ليتنا استفدنا هذه الفائدة التي أشار إليها من غير باب الجدل في الدين،

والتجربة ترينا أن هذه الفائدة لم تتم إلا في أعقل الباحثين وأكملهم قصدا وأوفرهم

حكمة وليس هؤلاء بكثيرين حتى نقول إن مخالفهم قد شذ، نعم ليس بمنكور عندي

أن صنيعهم ذلك رفع شأن العقل، وكاد أن يبلغه أشده في هذا الباب ويسير به إلى

أبواب أخرى من استعراف أسرار الكائنات وحكم الشرائع عامة والشريعة المحمدية

خاصة ويومئذ كان يرجى للدين دوام سيره وانتشاره على السيرة الأولى، ولكن هو

الخطأ في الدين يقف به ويمنع سيره إن كان قويا ويزهقه إن كان ضعيفا.

نرجو أن تكون قد عرفت مما تقدم أن مدار الفلسفة الإلهية الإسلامية

على آراء (المعتزلة) ومناظريهم، أما مناظروهم فالمتكلمون من أهل السنة

(وأشهرهم الأشاعرة) والنقليون من أهل السنة والغلاة من الفريقين كالجبرية

والحشوية والمشبهة والمرجئة والغلو في كل شيء مذموم.

وقد أجللنا هذه الفلسفة عن أن نعد في أهلها أولئك الذين يتشيعون لرجل بعينه

ويتعصبون عليه وإن عدهم الناس الباحثون في فرق المحمديين إذ الشرط أن نحكي ما

له علاقة بالفلسفة دون ما لا علاقة له إلا بالهوى والسياسة.

وهذه أول كلمه نوجهها لعلم الكلام وعلمائه متأسفين على اشتغال أفاضل

أهل هذه الصناعة من المعتزلة ومناظريهم في هذه المسألة التي أومأنا إليها، ولئن

كان للمتقدمين منهم عذر؛ لأن الزمان زمانها فليس للمتوسطين فضلا عن المتأخرين

وجه من الوجوه المزينة أو سبب من الأسباب الحاملة اللهم إلا هوى البعض

وتقليد البعض ولا يؤلم قلبي إلا المتبعون على عمه الذين نزلوا أنفسهم منزلة

القاصرين.

والكلمة الثانية أوجهها لجمهورهم أيضا على عدم تروي كل منهم في كلام

الآخر؛ لأننا حين التأمل والتروي نجد اختلافهم إنما هو على الاصطلاحات دائر،

وقلما نجد بينهم اختلافا عظيما في حقيقة من الحقائق بل اختلافاتهم مع الفلاسفة

يمكن القول فيها هكذا أيضا، ولتوضيح هذا نورد ههنا أمثلة:

(1) هل بين العقول السليمة اختلاف في أن الموجودات ترجع إلى مبدأ،

هل بينها اختلاف في أن مبدأها يجب أن لا يكون قبله شيء، هل بينها اختلاف في

أن النفوس مستشرفة دائما أن تعرف ما هو ذلك المبدأ.

(2) ما هو ذلك الشيء؟ ههنا الاختلاف إذا لم يترو الناس مع بعضهم وإذا

ترووا فلا خلاف، نحلل هذا السؤال إلى أربعة: 1- ما هي ذاته؟ 2- ما هي

صفاته؟ 3- ما هي أفعاله4؟ - ما هو اسمه؟ أما السؤال الأول فجواب كل عاقل

فيه لا نعلمها، لا يخالف في ذلك عقلا ملي ولا فليسوف على اختلاف فرق المليين

والفلاسفة اللهم إلا من لا يتدبرون، وأما الثاني فالجواب فيه لا يحد؛ لأنه لم يحس،

ولا يوصف لأنه لم يعرف، لا يخالف في هذا أيضا أحد، ومن يصفونه من

المليين لا يصفونه من الفلاسفة فإنما يصفونه بما هو مقتضى وجوده كقولهم:

واجب الوجود: بل جعلوا ذلك علما عليه، وأنت خبير أن هذا ليس وصفا، وأما

الثالث فالجواب فيه أن فعله البدء والتصوير، وهذا لا يخالف فيه أحد أيضا اللهم

إلا الجاهلون جهلا مركبا، ولا يعد خلافهم خلافا ولا يجدر بعاقل أن يتصدى للرد

على من يقول وجدت الأشياء بنفسها، وقامت منتسقة لحالها.

جهلنا فلم نعلم حقيقة نفسنا ... وقلنا بأن الكون قام بنفسه! ! !

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٧٣