كمذهب الجبرية وفي بعضها ما يدل على أنه كمذهب القدرية وغير ذلك، ولكننا
نقول لم تنبت تلك البذور إلا في آواخر أيام الصحابة حين أظهر معبد الجهني
وغيلان الدمشقي ويونس الأسواري القول بإنكار إضافة الخير والشر إلى الخالق
سبحانه، ونسج على منوالهم واصل بن عطاء الغزال وكان هذا تلميذا للحسن
البصري، ويحكى أنه دخل واحد على الحسن فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في
زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم كفر يخرج بها صاحبها عن
الملة، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان فكيف
تحكم لنا بذلك اعتقادا؟ فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب، قال واصل:
أنا لا أقول: إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلق ولا كافر مطلق، بل هو في منزلة
بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر، ثم قام واعتزل إلى أسطوانة في المسجد وأخذ يقرر
ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن فقال الحسن: اعتزل عنا واصل
فسمي هو وأصحابه (معتزلة) .
وقال (واصل) هذا بقول معبد وغيلان في مسألة أفعال العباد وأنكر مثلهما
قضاء الله وقدره، فسموا (قدرية) (سماهم بهذا خصومهم) ، قال: إن البارئ تعالى
حكيم عادل لا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمرهم به، وأن يحكم عليهم حكما
يجازيهم عليه، وقال (واصل) وأصحابه: يستحيل وجود إلهين قديمين أزليين
ولذلك نفوا صفة العلم والحياة والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام عن الباري أي
لم يقولوا هذه صفات للباري قديمة أزلية بل إن الله حي قادر وليس علمه ولا حياته ولا
قدرته إلا لذاته.
هذا رأس الطائفة (المعتزلة) وطالع بعده الشيوخ الذين اتبعوه كتب
الفلاسفة فخلطت مناهجها بمناهج الكلام وأفردتها فنا من فنون العلم وسمتها باسم
(الكلام) إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها هي مسألة الكلام فسمي الفن باسمها، وإما
لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنا من فنون علمهم بالمنطق والمنطق والكلام مترادفان
(كذا قيل) وتفنن (المعتزلة) في هذه المباحث وزاد الآخر على الأول وترونق
كلامهم في أيام المأمون والواثق والمعتصم.
أما مسألة الكلام المشار إليها فهي القول بأن القرآن مخلوق، وممن اشتهر بهذا
القول جهم بن صفوان وكان هذا جبريا، أي يقول: إن العبد مجبور في أفعاله، وهذا
المذهب ضد مذهب المعتزلة الذي معناه أن العبد حر في أفعاله أي ليس مسلوب
الاختيار بإرادة الله وحكمه.
وكان بين (المعتزلة) العلماء العقليين وبين أهل الرواية في كل زمان
اختلافات ومنازعات في مسألة الصفات، وكان العلماء النقليون يناظرون الآخرين لا
على قانون منطقي بل على طريقة المفتين في الدين، وكان من أحسنهم إتقانا
أبو العباس القلانسي والحارث المحاسبي، وجرت مناظرة بين أبي الحسن الأشعري
وبين أستاذه أبي علي الجبائي في بعض مسائل وألزمه أمورا لم يتخلص عنها
بجواب فأعرض عنه وانحاز إلى النقليين السالكين طريقة السلف ونصر مذهبهم
على قواعد منطقية وأساسات نظرية ذلك مذهبا منفردا وهو المشهور اليوم بأنه
مذهب أهل السنة والجماعة، ويظن البعض بأنه بقي في مذهبه بقايا من مقالات
أساتذته قبل أن يتركهم وهم من شيوخ الاعتزال، وقرر طريقته جماعة من الأذكياء
كالقاضي أبي بكر الباقلاني والأستاذ أبي إسحق الإسفرائيني والأستاذ أبي بكر بن
فورك على اختلاف بينهم قليل، ومن يطالع مقالات المعتزلة بإمعان يتبين له أن
مقاصدهم التوفيق بين الدين والفلسفة ولم يتيسر لهم ذلك لأمرين الأول أن الفلسفة
التي طالعوها أكثرها غير صحيحة؛ فلذلك لم تلتئم مع الدين، الثاني: أن المقصد
الأصلي من الدين هو العمل وهؤلاء أفرطوا في الجدل فشطوا عن مقصد الدين كما
شط مجادلوهم من الجبرية الخالصة والجبرية المتوسطة والمرجئة، لكن
القوم بما صنعوه في احتجاجاتهم وبما اضطروا مناظريهم أن يقلدوهم في النظر