تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(عامر بن الظرب العدوي) وهو من حكماء العرب أيضا: إني ما رأيت شيئا قط

خلق نفسه، ولا رأيت موضوعا إلا مصنوعا، ولا جائيا إلا ذاهبا، ولو كان يميت

الناس الداء لأحياهم الدواء. ثم قال: إني أرى أمورا شتى وحتى. قيل له ماذا؟

قال: يرجع الميت حيا، ويعود اللاشيء شيئا؛ ولذلك خلقت السموات والأرض.

وقال علاف بن شهاب التميمي:

وعلمت أن الله جاز عبده ... يوم الحساب بأحسن الأبدال

ظهور محمد عليه السلام

فبينا حال الناس عامة والعرب خاصة على ما قصصناه ظهر (محمد) من

العرب بين أظهرهم بهدى عظيم، ودعا إلى صراط مستقيم، صدقه بدعوته الواحد

والاثنان، وكذبه الشعب الكبير المتشعب إلى جماجم وبطون وأفخاذ، صدقه من

صدقه لنور قذف في قلبه رأى به وجهه وجه صادق وخطته خطة مرشد ودعوته

دعوة مؤيد من عالم الغيب، وكذبه من كذبه لشبهة عنت له، وحجاب أسدل على

بصيرته، ثم صدقه آخرا من كذبه أولا، ولم يفارق هذه الدار وفي جزيرة العرب

جماعة مكذبون، كيف آمن جمهور العرب به من بعد أن أورد متعاقلوهم كل شبهة

عنت لهم، من بعد أن قالوا: ساحر كذاب، من بعد أن قالوا: شاعر مجنون؟ هل

آمنوا رهبة من سيفه؟ فكيف أرهب سيف الواحد قلوب تلك القبائل الكثيرة؟ هل

آمنوا رغبة في الغنائم؟ فكيف سرى هذا الخاطر الواحد في أفكار الكل بعد أن صدوا

أعظم الصدود وحارب بعضهم بعضا من أجل أن ينصره قوم ويكيده قوم.

إنما آمن العرب بعد حين من دعوته تربصوا فيه أن تظهر لهم أعلام صدقه

فظهرت - كما سيظهر لك - ويومئذ دخلوا في دينه أفواجا، ووفدوا على حضرته

زمرا، يبايعونه على التصديق والاتباع، ويستعلمون منه الوظائف والواجبات،

ويرجعون عنه بأفئدة مسرورة، وعزائم مشتدة.

أما العقيدة التي كان هذا الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي بها فهي أن

يشهد الرجل أن (لا إله إلا الله) وأن (محمدا رسول الله) .

كلمة (الله) عند العرب علم على الخالق كانوا يقولون به ولكنهم لا يعرفون كماله كما يجب فكان منهم من يظن أن الملائكة بناته وأن الأصنام شركاؤه في بعض ملكه فعرفهم أن الله لا يشبه المخلوقات فلا يلد ولا يولد وليس له شريك في الملك ولا إله غيره ولا معبود سواه ولا ينبغي أن يرجى ويخاف من غيره، فكل هذه المعاني مجموعة في كلمة (لا إله إلا الله) وأما الكلمة الثانية فالمقصود منها التسليم بما جاء به في الكتاب والخضوع لما يحكم به ويمضيه واعتقاد أن هذا الكتاب كلام الله أوحاه إليه بواسطة ملك من الملائكة الذين هم خلق مدركون لا يعصون الله تعالى ويندرج في هذه العقيدة الإيمان باليوم الآخر.

هذه هي العقيدة التي يصير بها المصدق محمديا، وقد ورد تفصيلها في القرآن

كصفات الله تعالى والاحتجاج على المكذبين والوعد والوعيد في الدار الآخرة ويعلم

القارئ أن العرب المدعوين لما آمنوا ما كانوا يعلمون القرآن كله؛ لأنه لم يكن قد

تم نزولا، بل أكثرهم ما كانوا يعلمون غير الآيات القليلة وكان أعلمهم به

(أي الذين يعلمون كثيرا من الآيات) لا يجد في هذه الألفاظ شيئا غريبا في مدلوله

ليتساءلوا عنه ويتباحثوا فيه (إلا ما روي نادرا) بل كان هذا التباحث من قسمة

الذين أتوا بعيدهم.

أتى بعيد عصره أناس قرأوا القرآن فعلموا شيئا وجهلوا شيئا، وأناس استمعوا

لآراء الناس في الإلهيات من نحو ما قصصناه عليكم وانقسموا فيه فرقتين: محبة

وكارهة، ثم انقسمت المصوبة طائفتين: مؤولة للدين على مقتضاها، وتاركة له

على حاله. ثم انقسمت المؤولة زمرتين: معتدلة وغالية، فهذا الشكل كان تفرق

أهل هذه الفلسفة.

(الفصل الثاني)

الفلسفة الإلهية عند المسلمين، أو علم الكلام

لا يصح أن نقول: إن العصر الأول للإسلام كان خاليا من بذور البدع التي

حدثت بعده في الأصول والفروع، ونحن لا نقول هذا القول؛ لأن أقوال

المعاصرين للرسول كثير منها محكي في القرآن ونرى في بعضها ما يدل على أنه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٧١