قضى أزلا بوجود الأشياء تركها لتدبير خلقه (تأمل) .
وكان (إنكسغوراس) يقول بالعقل الذي يفيض على كل مادة ما يليق بها من
الصورة وكان يقول لا فراغ في الجو بل هو مملوء وإن جميع الأجسام تقبل
القسمة إلى ما لا نهاية له، ولو كان الجسم صغيرا جدا بحيث لو وجد قاسم ماهر
وآلة تقسيم لأمكن أن يستخرج من رجل البعوضة أجزاء لو وضعت على ألف ألف
سماء لسترتها من غير تنهاهيا في نفسها بل لا تزال قابلة للقسمة (تأمل) .
وكان (أفلاطون) يقول إن الأصول ثلاثة: الإله والمادة والإدراك؛ فالإله
يشبه عقل العقول والمادة تشبه السبب الأول للتولد والفساد، والإدراك كجوهر
روحاني قائم بذات الإله، كان الناس يلقبون أفلاطون بالإلهي وكانوا يقولون: إن
أفلاطون يعرف الإله الحقيقي معرفة جيدة وهذا إما من جودة ذهنه أو مما اطلع عليه
من كتب العبرانيين (تأمل) .
ووقع من أفلاطون أنه نوع الآلهة مراتب ثلاثا: علويين مسكنهم السماء،
ومتوسطين يسمون جنا كوزراء للعلويين مسكنهم الهواء، وسفليين مسكنهم الماء
سماهم أنصاف آلهة (تأمل) .
وقال: إن جميع عناصر العالم وسائر أجزائه ممتلئة بهذا النوع الثالث، وقد
يظهرون في بعض الأحيان لأبصارنا ويختفون أحيانا، وتبع أفلاطون فيثاغورث
في تناسخ الأرواح وكان (أرسطاطاليس) يقول: الأصول ثلاثة: العدم، والمادة،
والصورة. وعرف المادة بتعريفين مختلفين سلبا وإيجابا فقال في الأول: المادة هي
ما ليست جوهر ذلك الشيء ولا امتداده ولا عرضه ولا نوعا آخر من الأمور
الوجودية العارضة له، وقال في الثاني: المادة هي مبدأ تركيب الأشياء ومنتهى
تغييراتها، وليس في الاثنين ما يفيد حقيقتها (تأمل) .
وكان (أبيقور) يقول بأن الروح جسمانية معللا ذلك بأنها محركة لأجسامنا
مشاركة لها ألما ولذة وأننا في حالة ثقل النوم نتيقظ بها بغتة وبها تتغير ألواننا على
حسب ما يعرض لها من الحركات والأعراض.
هؤلاء من مشاهير اليونان الذين تكلموا في الإلهيات، وهذه مشهورات من
آرائهم فيها (وأما علومهم الرياضية والمنطقية فليست من صدد موضوعنا ولا
تنقضها الإلهيات والعلوم الخادمة لها ولا تأمر بنقضها بل بإبرامها؛ لأنها لازمة
نافعة، وأما علومهم الطبيعية فلا ننكرها عليهم أيضا إلا ما أنكروا فيها الصانع
وصنعه) .
وكان (اليهود) يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه ويقولون إن عيسى ابن مريم
الذي خلق من غير أب زنت به أمه وأتى من الزنا وخالف بعمله النواميس الشرعية
فقتلناه وصلبناه، وكان النصارى يقولون: لا، بل عيسى هو ابن الله بعثه ليخلص
الناس من خطيئة آدم التي لحقت بأولاده وجعله فداء لهم من الخطيئة التي لم يسكن
غضب الرب من أجلها ثم اختار أن يكون سكون غضبة وتخليص الناس منه
بواسطة إراقة دم ابنه، ولا تنس أن النصارى يقولون: أيضا بأصول ثلاثة الأب
والابن وروح القدس، وكان العرب أصنافا منهم من أنكروا الخالق والبعث وقالوا
بالطبع المحيي والدهر المفني كما حكى ذلك القرآن عنهم {وقالوا ما هي إلا حياتنا
الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} (الجاثية: 24) إشارة إلى الطبائع
المحسوسة وقصر الحياة على تركيبها وتحللها , فالجامع هو الطبع والمهلك هو
الدهر.
ومنهم صنف أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة وأنكروا الرسل
وعبدوا الأصنام وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الآخرة وهم الدهماء من العرب
إلا شراذم منهم.
ومن العرب من كان يعتقد التناسخ فيقول: إذا مات الإنسان أو قتل اجتمع دم
الدماغ وأجزاء بنيته فانتصب طيرا هامة.
ومنهم من كان على ملة إبراهيم كزيد بن عمرو بن نفيل، ومنهم من تهود،
ومنهم من تنصر، ومنهم من تفلسف وأدرك بعقله الحشر والجزاء. قال قس بن
ساعده (وهو أحد حكماء العرب) : كلا ورب الكعبة ليعودن ما باد، وقال أيضا: كلا
بل هو الله إله واحد، ليس بمولود ولا والد، أعاد وأبدى، وإليه المآب غدا. وقال