تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مقبولا عند الدين بل كثير منه مردود بشهادة بعضهم على بعض، والمدقق يعلم أن

ليس علم الكلام إلا قسمين قسما يجمعون فيه نظريات على طريقة الفلاسفة القدماء

يوافقونهم في أشياء ويخالفونهم في أشياء، وقسما يجمعون فيه خلافات ومنازعات بينهم أنفسهم.

ويعلم أيضا أن الدين انتصر بروحه الذكية السالمة من الشوائب قبل أن يجيء

علم الكلام ناصرا له وناقضا للفلسفة، ولكي يعلم الناظر ههنا آراء الناس في

الإلهيات قبل الإسلام وقبل علم الكلام أذكر نموذجا يسيرا منها في فصل، ومنه

أنتقل لعلم الكلام في فصل آخر.

(الفصل الأول)

الفلسفة الإلهية عند الأمم السالفة

كان الصابئة (وهم طائفة منبتها بلاد فارس منها انفصل إبراهيم النبي الذي

هاجر إلى فلسطين وتسلسلت النبوة في عقبه) يقولون: إن للعالم صانعا فاطرا

حكيما مقدسا عن سمات الحدثان، والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى

جلاله وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه وهم الروحانيون المطهرون

المقدسون جوهرا وفعلا وحالة وهم ينكرون نبوة البشر ولكنهم يعترفون بمعلمهم

الأول هرمس (قيل هو إدريس) ويثبتون عالما روحانيا على نحو ما يسميه

الكتابيون الملائكة وقسموا هذا العالم الروحاني إلى طوائف منها مدبرات الكواكب

التي هي هياكلها؛ إذ لكل روحاني هيكل ولكل هيكل فلك ونسبة الروحاني إلى ذلك

الهيكل نسبة الروح إلى الجسد فهو ربه ومدبره ومديره، وربما يسمون الهياكل

أربابا وربما يسمونها آباء والعناصر أمهات، فوظيفة هذه المدبرات تحريك الكواكب

على قدر مخصوص ويحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع والعناصر فيحصل

من ذلك تركيبات وامتزاجات في المركبات فيتبعها قوى جسمانية ويركب عليها

نفوس روحانية مثل أنواع النبات والحيوان، ثم قد تكون التأثيرات كلية صادرة عن

روحاني كلي وقد تكون جزئية صادرة عن روحاني جزئي، فمع جنس المطر ملك

ومع كل قطرة ملك.

واتخذ هؤلاء صورا وتماثيل على صور الكواكب وأمثلتها وبنوا لها البيوت

وأقاموا لها الهياكل واحتفلوا من أجلها بفروض ومراسم شرحها يناسب كتب الجدل

والتاريخ، وليس غرضنا إلا النموذج اليسير.

وكان (الزروانية) (وهم طائفة من الفرس) يقولون: إن النور أبدع أشخاصا

من نور كلها روحانية نورانية ربانية لكن الشخص الذي اسمه (زوران) شك في

شيء من الأشياء فحدث (أهرمن) (الشيطان) من ذلك الشك ولهم في ذلك أساطير

لم نجوز سردها لقلة فائدتها.

وكان (الزرادشتية) (وهم طائفة فارسية أخرى زعيمهم زرادشت) يقولون

إن النور والظلمة أصلان متضادان وكذلك (يزدان) و (أهرمن) وهما مبدأ

موجودات العالم وحصلت التراكيب من امتزاجهما وحدثت الصور المختلفة، والبارئ

تعالى خالق النور والظلمة ومبدعهما وهو واحد لا شريك له ولا ضد ولا ند

ويدعي أصحاب (زردا شت) معجزات كثيرة له.

وكان (طاليس) اليوناني-الذي تعلم الإلهيات والهندسة والهيئة في مصر وهو

أعظم مؤلفي الفلسفة المسماة يونانية، يقول: إن جميع ما في الكون لا يخلو عن

إحساس ما، وإنه مملوء بما لا يدركه الطرف من المخلوقات وكلها متحركة ذات

أرواح.

وكان (فيثاغورث) يقول: إن العالم له روح وإدراك وإن روح هذا الدولاب

العظيم هو الأثير فمنه جميع الأرواح الجزئية وكان يقول: إن الأرواح لا تفنى فهي

تسيح في الهواء إلى أن تصادف جسما فتدخل فيه، ولذلك كان يشدد في منع أكل

الحيوانات، وادعى فيثاغورث معجزات كثيرة جلها لتأييد مذهبه في تناسخ الأرواح

ومما فعل أنه بنى له تحت الأرض حجرة صغيرة وعاهد أمه أن تكتب له كل ما

يكون ويحدث فغاب فيها سنة ثم خرج نحيفا أشعث أغبر وجمع الناس وأخبرهم أنه

كان في جهنم ولا حل أن يصدقوه، شرع يخبرهم بما حصل في غيبته فظنوا أنه فوق

جميع البشر (تأمل) .

وكان (هيرقليس) يقول: إن الكون ممتلئ من الجن والعقول وإن الإله لما

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٦٩