إلى الرذائل الخارجة عن حد الاعتدال في كل شيء كما هو دأب الذين خلوا من قبل،
فمن لم يتمسك بالدين ألبتة فلا كلام فيه هنا، ومن تمسك فيه تراهم في مغايرته
على نوعين: نوع يغايرونه بالفعل ويتمسكون منه بالاسم وهم كثيرون. ونوع
يغايرونه بعلوم يحدثونها يبصرون الناس فيها أنهم أولياؤه. فأما الذين يغايرونه
بالفعل؛ فالوظيفة معهم وظيفة العاقل مع العاقل في الدعاوى والبينات، وتحق
الحقيقة ويبطل الغلط.
ولما عرفت أن الدين كلام يفهمه العاقلون، ولا يحتمل ما يعزوه إليه
المتفرقون، حرصت نفسي على كشف حال كثير من العلوم المحدثة فأقول ما لها
وما عليها، ليعلم طلابها ما يضرهم وما ينفعهم، ذلك منذ علمت أن سعادتي في أن
أكون مخلص القلب للمجتمع الإنساني القائم على ناموس رباني، وأن أكون شاكرا
لنعم العاملين بما ينفع الناس ملتئما مع من عرفوا النعم فشكروها، أو جهلوها
فاستعرفوها، نافرا عمن كفروا بها واستيقنتها أنفسهم.
فهذا ما دعاني اليوم لتحرير هذه الكلمات الشارحة رأيا في علم الكلام،
وطريقة في إثبات الوحي.
تمهيد وتقسيم
هذا الإدراك الذي أوتيه الإنسان لم يقف به عند استعراف ما يطعمه ويكتسيه
ويأوي إليه بل ساح به من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، من عالم الحس إلى عالم
الحدس.
يسأل الإنسان نفسه بنفسه ما هو الموجد الأول أو ما هو الموجود الأول، من
صنع هذه الكواكب الزاهرة، من أوجد هذه البحار الزاخرة، من أنشأ هذه الأرواح
العاقلة، من خلق هذه الأسباب الظاهرة والباطنة، من سوى هذه الروابط الثابتة،
من صور هذه الصور المتغيرة، من يدبر هذه الكائنات المتنوعة.
ثم ينتقل من هذا السؤال إلى سؤال آخر فيقول، ما هي نفسنا ما هو إدراكنا،
لماذا أفرادنا متفاوتون فيه، ما هي هذه الحياة التي نحياها، ما الفائدة لنا منها، ما
الحكمة للذي سوى فيها، ما الذي يجب أن نعمله معها، أين تذهب أرواحنا عند
اضمحلال هذه الحياة، لماذا نحبها وهي مع قصرها مرة المذاق، كدرة الموارد،
لماذا نتزاحم، لماذا نتجادل، ما السبيل لسلامتنا بعضنا من بعض؟
هذه الأسئلة وأمثالها شغلت فكر هذا النوع من زمن قديم ليس لنا ولا لغيرنا
علمه، وما زال الناس ولا يزالون يتساءلون ويتجاوبون في هذا إلى ما شاء الله،
وليس البحث في هذه الأمم المتفرقة، وقد يعقب البحث والتفكر تصور ويعقب
التصور عقد، ويحمل العاقد بشيء غيره أن يعتقد كما أعتقد، فهكذا تكونت نحل
الناس ومللهم.
والذين اشتغلوا بتدوين العلوم قد تقيدوا باصطلاحات خاصة زعم أن بها
يمكنهم تعميم فائدتها، وأما الذين عرفوا كيف يقرب العلم من أفهام الطبقات المختلفة
فيحبون أن تتجافى عباراتهم عن الاصطلاحات مهما أمكنهم.
ذكرني بذكر هذه القضية أني رأيت مدوني هذه المباحث في لغتنا قد تباعدوا
بها عن أفهام الأكثرين بكثرة ما جاءوا فيها من الاصطلاحات وهم ما قصدوا إلا
التفهيم بل زعم بعضهم أن الناس أجمعين مكلفون أن يعلموا علمهم ذلك، ولا بد أن
يزعم هذا أن اصطلاحاتهم يفهمها كل أحد من أهل اللغات المختلفة، ولعل عذرهم
أنهم دونوها كما وجدوها على اصطلاح الباحثين من أمم أخرى، وهو عذر مقبول
في الجملة.
هذه المباحث يقال لمجموعها في اصطلاح المدونين (فلسفة) وهي كلمة
منحوتة من اليونانية قالوا معناها (حب الحكمة) ، ومن أجل شيوع هذه الكلمة بهذا
المعنى ظن البعض أن الفلسفة اليونانية هي أول فلسفة ومن أجل أن علم الكلام
- الآتي ذكره - يرد كثيرا من أراء فلاسفة اليونان كما يرد الفلاسفة بعضهم على
بعض ظن أن علم الكلام إنما جعل لنقض الفلسفة، والظن الأول يزهقه التدقيق في
التاريخ العام للأزمنة القديمة التي يجهل منها أكثر مما يعرف، والثاني يزهقه
معرفة أن علم الكلام فلسفة يعرف بها صحة الدين، وليست كل الفلسفة مناقضة
للدين حتى يحتاج الدين إلى علم به تنقض الفلسفة كما أنه ليس كل كلام أهل الكلام