تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ضرورة لا بد منها وذلك كالطلاق الذي صار مشروعا عندهم وشائعا فيهم. وكذلك

ظهرت فيهم بوادر الحاجة إلى تعدد الزوجات حتى قام من الكاتبات من يدعو إليه

في الجرائد - راجع مقاله (الرجال والنساء) ص 481 م 4 - وكأنك بهم وقد عادوا

إلى ذلك بعد حين وسيجدون في الإسلام الطريقة المثلى لحل المشكلة الاجتماعية

الكبرى التي من آثارها الفوضوية والاشتراكية وتعصب العمال الذي تفاقم خطبه في

هذه الأيام.

إن ما كشفه العلم في الخلق والتكوين يوافق ما ينطق به القرآن. إن الآيات

الكونية التي يفصلها القرآن في إثبات الألوهية هي أقرب إلى العلم الحاضر والفلسفة

الحاضرة منها إلى فلسفة اليونان؛ إن الوحي الذي يطالب القرآن بالإيمان يمكن أن

يقبله حتى العالم المادي من غير حاجة إلى إبطال مسألة ثابتة من مسائل علمه أو

فلسفته. إن الأخلاق التي يدعو إليها القرآن هي أخلاق الاجتماع والعمران والعزة

والسلطان، إن أصول الأحكام والشرائع السياسية والمدنية والقضائية والحربية في

الإسلام منطقية على ما ثبتت فائدته للأمم الغربية وفيها ما لم يصلوا إليه، ولو

عرفوه لعولوا عليه. إن لكل داء من أدواء العمران وكل مرض من أمراض الاجتماع

البشري دواء شافيا في القرآن يعرف ذلك الراسخون في فقه القرآن من علماء

الاجتماع، وإن من هذه الأدوية ما ينفع بدون الإيمان ومنها ما لا يتم إلا به كدواء

الزكاة لأدواء المسألة الاجتماعية الكبرى كما قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو

شفاء ورحمة للمؤمنين} (الإسراء: 82) ، وإن المدينة الكاملة التي تسير إليها

الأمم الراقية لا تكون إلا بدين يجمع هذه الأصول الإنية التي أجملناها الآن، وقد

جاء في المنار بعض التفصيل لها وسنزيدها تفصيلا إذا أمهلنا الزمان.

إن المسلمين الأولين أخذوا هذه الأصول بالإيمان والتسليم فأسرعت إليهم

بالسيادة والسعادة ولكن لم يلبث العلم بها أن ذهب وحل محله التقليد الأعشى فتركوا

الأخذ بحكمة القرآن إلى أقوال مقلديهم ولا غناء فيها عن كتاب الله تعالى فجهلوا في

مجموعهم فقه هذه الأصول وزادوا عليها لإيضاحها ما أخفاها فساروا إلى الوراء،

يخبطون خبط العشواء، ولما تكمل مدينتهم، ألا ترى مقلديهم في العقائد كيف

تركوا في العلم الإلهي طريق القرآن، إلى نظريات اليونان تأثرا بذلك الزمان، ألا

ترى مقلديهم في السياسة والأحكام كيف تركوا أصول القرآن وما يوضحها من السنة

واستبدوا بالعمل. ألا ترى الأمة بين هؤلاء الرؤساء، من الملوك والعلماء، فقدت

الاستقلال الاجتماعي وعوملت معاملة السوائم من الأنعام؟ هذا هو سبب ضياع أثر تلك الأصول في سبيل الوصول إلى المدنية الكاملة.

الأوربيون يسيرون الآن إلى الإسلام من طريقه، فقد بدأوا بالبحث في

الآفاق فعرفوا من آيات الله فيها ما لم تعرفه الأمم من قبلهم وثنوا بالبحث في

أنفسهم فاهتدوا إلى كثير من سنن الله تعالى في قواها وفي عملها الحيوي والاجتماعي،

ثم إنهم يقرنون العلم دائما بالعمل، بل لا علم عندهم إلا أن يفهموه وقد أنشأوا في هذه

السنين يدربون لغته ويدرسون بقوة واجتهاد وقام فيهم من أنفسهم دعاة إليه وقد كاد

يأتي فيهم تأويل قوله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم

أنه الحق} (فصلت: 53) .

أما نحن المسلمين فإننا نعترف بالتقليد أنه الحق ولكننا تركنا من عدة قرون

البحث في الآفاق وفي أنفسنا الذي علق عليه كتابنا تبين الحق! والآن توجه

الكثيرون منا إلى علم الآفاق وعلم النفس تقليدا للذين سبقونا، فإذا ضللنا في هذا السير

الجديد فإننا نقلدهم من بدايتهم فنترك الدين وآدابه وليس عندنا شيء يقوم مقامه كما

كان عندهم فنكون من الهالكين ويكونوا هم السابقين إلى الإسلام فلا يزالون يقبلون

عليه ونحن مدبرون عنه إلى أن يصلوا ببحثهم واجتهادهم إلى الحق ونحن عرة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٥١