من دافع.
ندع الكلام الآن في الحركة الإسلامية العامة إلى التقدم في كل قطر من
الأقطار وتقرب الشعوب المسلمة بعضها إلى بعض ونداء الشيعي والسني السلفي
والمتمذهب إلى الإصلاح، وفي امتداد هذا النداء تأثيره، وفي الجمعيات الإسلامية
وفي ترقي لغة الدين (العربية) وتقدمها السريع من غير نصير من الحكومات
الإسلامية أو الجمعيات الإسلامية بطبيعة العلم والعمران فيها؛ لأن هذا أغرب عند
أكثر القارئين من الأول.
كانت أوربا في القرون الماضية تعتقد أن الإسلام دين وثني نشأ بالسلب
والنهب والاعتداء وإباحة الفواحش والمنكرات وأن أهله قوم متوحشون يتقربون إلى
أصنامهم وأوثانهم بسفك الدماء وكانوا يبنون على هذا الاعتقاد أنه يجب على أوربا
السعي باستعبادهم أو محوهم من بلادهم ليسلم سائر الناس من شرورهم. والشواهد
على هذا كثيرة في كتبهم فعندهم كتب كثيرة مؤلفة في سوء حال الإسلام والمسلمين
ألفها القسيسون والسياسيون لتنفير الشعوب الأوربية من العالم الإسلامي حتى إنهم
ترجموا القرآن الحكيم ترجمة مبدلة محرفة، بل ألفوا كتبا وضعية منها ترجمة
للقرآن، لو قرأ المسلم منها ما سموه سورة الفاتحة (وهي التي لا يجهلها مسلم)
ولم يذكر له أن هذا ترجمة القرآن لما خطر في باله القرآن عند قراءتها مطلقا؛
لأنه ليس فيها معنى جملة واحدة من جمل الفاتحة الشريفة. ولو شئت أن أسرد
الشواهد من كلام الأوربيين في ذم الإسلام ونبيه عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام
لاحتجت إلى تأليف مستقل. وأهون وصف وصفه به الفيلسوف رينان الفرنسي [1]
في كتابه (ابن رشد) قوله فيه: (دين الخنازير أو القوم المنهمكين في الشهوات) .
ومن التحريض عليه؛ تلك الكلمة الخبيثة التي جاءت في مقال للموسيو هانوتو
وهي الاقتراح على فرنسا بأن تهدم الكعبة المشرفة، وتنقل قبر النبي صلى الله
عليه وآله وسلم إلى قصر اللوفر في باريس. ومن أراد الزيادة على ذلك فليقرأ
كتاب (الإسلام) للكونت هنري دي كاستري الذي عربه أحمد فتحي بك زغلول
وطبع بمصر سنة 1315.
هذه إشارة إلى اعتقاد أوربا في الإسلام وقولها فيه، وأما العمل فما زال
الأوربيون يسومون المسلمين الخسف في كل بلاد لهم استولت عليها دول أوربا
حتى خافت إنكلترا ثم روسيا وطأتهما عنهم من عهد قريب فأذنت روسيا لهم بطبع
المصاحف وكتب الدين وأعطتهم شيئا من الحرية يتمتعون به الآن وكان ممن سعى
بذلك لدى القيصر السيد جمال الدين الأفغاني - رحمه الله تعالى - وهذه إنكلترا
التي كانت ولا تزال أبعد أمم أوربا وحكوماتها عن التعصب وأقربهن إلى التسامح كانت قاعدة الوظائف عندها في الهند أن تكون للإنكليز، فالأوربي فالوثني فالمسلم،
فما كان يوظف مسلم إلا إذا لم يقبل الوظيفة التي يتولاها أحد من هؤلاء.
انقلبت الحال بعد هذا في الاعتقاد وفي القول والعمل وفي السياسة فقد أقبل
العدد الكثير من الأوربيين على دراسة لغة القرآن وعلوم الإسلام فظهر لهم فضل
هذا الدين في الجملة وألفوا كتبا كثيرة في فضله وصار أكثر الباحثين فيه يعتقدون
بأن نبيه كان يدعو إلى هذا الدين معتقدا بأنه ملهم من الله ومؤيد من لدنه سبحانه
وتعالى، وأن ما جاء به إصلاح عظيم للبشر عقائده نافعة وأخلاقه محمودة وشريعته
عادلة. ثم إن منهم من اجتهد في كشف الشبهات التي يوردها علماؤهم على الإسلام
وهي منه حقيقة كإباحة تعدد الزوجات بشرطها والرخصة في الطلاق والجهاد.
وإن لبعضهم من الأجوبة عن هذه الأمور المنتقدة في نظر قومهم أشد الانتقاد ما لا تجد
مثله لعالم من علماء المسلمين. وقد قام بعض بعض القسيسين منهم يحاول الجمع بين
الديانتين كإسحق طيلر الذي نشرنا بعض خطبه ومقالاته من قبل.
لم يقف التحول عند حد اعتقاد بعض الباحثين وأقوال بعض المؤلفين بل
قضت طبيعة الاجتماع بالعمل ببعض ذلك ومخالفة دينهم إليه؛ لأنه ظهر لهم أنه