تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والانشقاق رحمة لا نقمة وسببه وهو التوسع في الأحكام سبب خير لا سبب شر.

وكذلك اختلاف المجتهدين في كل فرقة من تلك الفرق لا يتصور العقل أن

يكون رحمة إلا بقيد حسن استعماله، وإلا فيكون نقمة حيث يوجب تفرقة ثانية بين

مالكي وحنفي وشافعي مثلا.

والمراد من حسن استعمال الخلاف هو أن كل قوم من المسلمين قد اتبعوا

مذهبا من المذاهب ترجيحا أو وراثة أو تعصبا ولا بد أن يكون في المذهب الآخذ به

كل قوم بعض الأحكام الاجتهادية التي لا تناسب أخلاق أولئك القوم أو لا تلائم

أحوالهم المعاشية أو طبائع بلادهم فيضطرون إلى الإقدام على أحد أمرين إما

التمسك بتلك الأحكام وإن أضرت بهم أو الجنوح إلى تقليد مذهب اجتهادي آخر في

تلك الأحكام فقط، وقد كان أكثر علماء وفقهاء المسلمين إلى القرن الثامن بل التاسع

يختارون الشق الثاني فيقلدون في هذه الحالة المذاهب الأخرى ولكن بعد النظر

والتدقيق في الأدلة كما كان شأنهم في نفس مذاهبهم الأصلية مثلا يكونوا مقلدين

تقليدا أعمى لا يجوزه الدين أساسا إلا للجاهل بالكلية.

وهذه الطريقة هي الطريقة المتبعة إلى اليوم في بلاد فارس، والعلماء

المتصدرون لذلك هم أفراد من توابع العلماء المتضامين في علوم مآخذ الدين

وأكثرهم ولا سيما الإيرانيون منهم متفقهون، متخرجون من مذهب الإمام جعفر

الصادق - رضي الله عنه - المدون عندهم، ويطلق أهل فارس على هؤلاء العلماء

اسم (مجتهدين) تجوزا واتباعا لعادة الأعاجم في التغالي في التبجيل ونعوت

الاحترام، ومن ذلك يعلم أن ما يظنه فيهم إخوانهم المسلمون البعيدون عنهم غير

المواقفين على أحوالهم إلا من تفوهات السياسيين غير صحيح فما هم كما يقولون

عنهم مجتهدون في أصول الدين مجوزون الرأي في الإجماعيات مخرجون الأحكام

أخذا من الدلائل الظنية ولو لم يقل به أحد من علماء الصحابة والتابعين وأعاظم

أئمة الهداية الأولين فما أحرى مجتهدي فارس بأن يلقبوا بمرجحين أو مخرجين أو

فقهاء مدققين.

ثم إن بعض الناس دعوا المقلد لأحد المذاهب إذا أخذ في بعض الأحكام

بمذهب آخر ملفقا، وسموا أخذه تلفيقا واستعملوا لفظة تلفيق في مقام التلاعب في

الدين أو الترقيع القبيح والحال أن ما سموه بالتلفيق ليس إلا عين التقليد من كل

الوجوه ولا بد لكل من أجاز التقليد أن يجيزه؛ لأنه إذا تأمل في القضية يجد القياس

هكذا: يجب على كل مسلم عاجز عن الاستهداء في مسألة دينية بنفسه أن يسأل عنها

من أهل الذكر أي يقلد فيها مجتهدا وكل مقلد عاجز طبعا عن الترجيح بين مراتب

المجتهدين فبناء عليه يجوز له أن يقلد في كل مسألة دينية مجتهدا ما.

وما المانع - على هذا الاعتبار - للمسلم المقلد أن يتعلم كل مسألة من الطهارة

والغسل والوضوء والصلاة من مجتهد أو فقط تابع لمجتهد، فإذا اغتسل بماء دون

قلتين لحقته قطرة خمر واعتبره طاهرا كما علمه عالم مالكي- غسلا بدون دلك كما

علمه عالم حنفي وبعد حدث موجب توضأ ومسح شعرات من الرأس كما علمه عالم

شافعي وصلى بعد خروج دم قليل منه كما علمه عالم حنبلي صلاة الصبح بعد طلوع

الشمس كما علمه عالم زيدي ووصل الفرض بصلاة أخرى بدون خروج من الأولى

كما علمه عالم جعفري، أفلا يكون هكذا المقلد صلى صلاة تجزئه عند الله؟ بلى،

ثم بلى تجزئه بالضرورة حتى لا يقوم دليل على أن ذلك خلاف الأولى كما يقال في

حق الخروج من الخلافات؛ لأنه لا يعقل أن يكلف هذا المقلد بأخذ دينه كله من عالم

واحد؛ لأن الصحابة - رضي الله عنهم - مع اجتهادهم وتخالفهم في الأحكام كان

يصلى بعضهم خلف بعض مع حكم المؤتم منهم على حسب اجتهاده بعدم صحة صلاة

إمامه واشتراطه صحة صلاة المأموم بصحة صلاة الإمام، وهل يتوهم مسلم أن أبا

حنيفة كان يمتنع أن يأتم بمالك أو يأبى أن يأكل ذبيحة جعفر كلا، بل كانوا أجهل قدرا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٤٣