من أن يخطر لهم هذا التعصب على بال وما كان تخالفهم إلا من احتياط كل منهم
لنفسه.
ويوجد في كل مذهب من المذاهب جماعة من تلاميذ الإمام أو الفقهاء
المعروفين بالمرجحين كل منهم كان مجتهدا لم يتقيد بمذهب أمامه تماما وخالفه في
كثير أو قليل من الأحكام مخالفة اجتهاد بسب اطلاعه على أدلة مجتهد آخر أو الفتح
عليه بما لم يفتح به على إمامه ولأن الدين يلزم المسلم بأن يتبع في كل مسألة منه
الشارع لا الإمام وأن يعمل في مواقع الاجتهاد باجتهاده لا باجتهاد غيره وإن كان
أفضل منه.
وهذا أبو حنيفة وأمثاله رحمهم الله تعالى كانوا أفضل من أن يعتقدوا في
أنفسهم الأفضلية على أبى بكر وعمر رضي الله عنهما ومع ذلك خالفوهما في كثير
من الأحكام الاجتهادية وفقهاء كل مذهب من المذاهب لم يزالوا إلى الآن يجوزون
الأخذ تارة بقول الإمام وتارة بقول أحد أصحابه مع أن ذلك هو عين التلفيق، فلماذا
لا يجوز الحنفية مثلا التلفيق بين أقوال أبي حنيفة والشافعي أو غيره وليس فيهم من
يقول: إن أصحاب إمامهم أفضل من الشافعي ومالك وابن عباس فما هذا إلا تفريق
بلا فارق وحكم يعكس الدليل. وقد نتج من التفريق بين المسلمين والتشديد عليهم
في دينهم ومصالحهم - بدون موجب غير التعصب - المخالفة لأمره تعالى {أقيموا
الدين ولا تتفرقوا فيه} (الشورى: 13) . (مرحى) .
ثم ختم (المجتهد التبريزي) مقاله بقوله: (وليس مقامنا الآن مقام استيفاء
لهذا البحث وإنما أوردت هذا المقدار منه بقصد بيان جواز التلفيق إذا كان عن
غرض صحيح كما جوزه كثير من فقهاء كل المذاهب. ولا شك أن ضرورة التلفيق
أهم من الضرورة التي لأجلها جوز الفقهاء الحيل الشرعية مع أنها وصمة عار على
الشرع حيث لا يعقل أن يقال مثلا: إن الشفعة مشروعة دفعا للضرر عن الشريك
أو الجار، ولكن يجوز هذا الإضرار للمحتال، أو إن الربا حرام ولكن إذا أضيف
للقرض ثمن مبيع خسيس بنفيس جاز استباحة مقصد الربا، وإن إيتاء الزكاة فرض
ولكن إذا أخرج رب المال ماله قبل الحول ثم استعاده سقطت عنه - إلى غير ذلك
من إبطال الشرع وجعل التكليف تخييرا والتقييد إطلاقا. ولا حجة لهم في هذا غير
ما رخص الله به لأيوب عليه السلام من التوصل للبر باليمين في قوله تعالى:
﴿وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث﴾ (ص: 44) وما أبعد القياس
بين الحنث وبين إبطال الشرع. ولا شك أن المسلمين بذلك صاروا كأنهم لا شرع
لهم، وقد غضب الله على اليهود لتحيلهم على صيد السبت فقط، ونحن نجوز ألف
حيلة مثلها بضرورة وبلا ضرورة.
بناء عليه من الحكمة أن نلتمس للضرورات أحكاما اجتهادية فيأمر بها الإمام
إن وجد وإلا فالسلطان؛ ليرتفع الخلاف فتعمل بها الأمة ما دام المقتضي باقيا فإذا
ألجأ الزمان إلى تبديلها بقول اجتهادي آخر، فكذلك يأمر به الإمام أو السلطان رفعا
للخلاف، وبمثل هذا التدبير الذي لا يأباه شرعنا ولا تنافيه الحكمة نستبدل بتلك
الحيل المعطلة للشرع المسلمة لترقيعات كل فقيه ومتفقه أحكاما شرعية إيجابية لا
زيغ فيها، وبنحو ذلك يسلم شرعنا من التلاعب والتضارب ويتخلص القضاء
والإفتاء من التوفيق على الأهواء وحينئذ يتحقق أن الخلاف في الفروع رحمة،
والحاصل أنه يقتضي على علماء الهداية أن يقاوموا فكر التعصب لمذهب دون آخر
فيكون سعيهم هذا منتجا للتأليف وجمع الكلمة في الأمة.
قال (الأستاذ الرئيس) : إنا نشكر أخانا المجتهد التبريزي على بيانه لنا حالة
إخواننا أهل فارس وعلى غيرته للدين وقصده التأليف بين المسلمين، أما تقريره
بخصوص أن حكم الإمام إن وجد وإلا فالسلطان يرفع الخلاف، وبخصوص أن
التلفيق هو عين التقليد، فتقرير يحتاج إلى نظر وتدقيق وستقوم بمثل هذه التدقيقات
في المسائل الدينية التي بحث فيها الإخوان الكرام الجمعية الدائمة التي ستتشكل