تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مكة أو صنعاء أو مصر أو الشام القيام بأداء هذا الواجب.

ولما انتهى (الخطيب الفازاني) إلى هنا قال هذه هي المساجلة، وقد سمعت

المفتي يقول: إنه اجتمع بكثير من المستشرقين فوجدهم كلهم يحسنون العربية أكثر

من علماء الإسلام غير العرب مع أنهم يشتغلون في علوم اللغة عمرهم كله وما ذلك

إلا من ظفر مدارس اللغات الشرقية الإفرنجية بأصول التعليم العربية أسهل من

الأصول المعروفة عندنا.

قال (المجتهد التبريزي) : إني أرى أن الإسلام أصابه فتنتان عظيمتان ولولا

قوة أساسه البالغة فوق ما يتصوره العقل لما ثبت الدين إلى الآن.

أما الفتنة (الأولى) فقد قدرها الله ومضت على وجهها وهى حين تشاجروا

في الخلافة والملك وانقسموا على أنفسهم بأسهم بينهم يقتل بعضهم بعضا وتفرقوا في

الدين لتفرقهم في السياسة.

وأما الفتنة (الثانية) فلم تزل وهى أن الخلفاء العباسيين مالوا إلى تعميق

النظر في العقائد فخدمهم من خدمهم من علماء الأعاجم تقربا إليهم في علم الكلام

وأكثروا من القيل والقال، ثم سرت العدوى إلى المناظرة في الفقه وبيان الأولى من

المذاهب فأقبلوا على التدقيق والجدل في الخلافيات بين أبي حنيفة والشافعي وأثاروا

بينهما فتنة عمياء وحربا صماء وتركوا بقية المذاهب فاندرست ولم يبق منها سوى

مذهب زيد وأحمد في جزيرة العرب ومذهب مالك في الغرب ومذهب جعفر في

بلاد الخزر وفارس فأكثروا التأليف والتصنيف في هذه المذاهب كل مؤلف يحب

أن يبدي ما عنده ليشتهر فضله وينال حظه من دنياه زاعما أن غرضه استنباط

دقائق الشرع. وتقرير علل المذاهب فتزاحموا وتجادلوا وناقض بعضهم بعضا،

وكان من العلماء بعض الصلحاء الغافلين شاركوهم الفتنة وهم لا يشعرون كما قال

الله تعالى: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا

إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} (البقرة: 11-12) وقوله تعالى: {قل

هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم

يحسنون صنعا} (الكهف: 103-104) .

وهكذا اتسعت دائرة الأحكام في الشرع فصار الخلف عاجزين عن التقاط

الفروع فضلا عن الرجوع إلى الأصول فاطمأنت الأمة للتقليد وأقبل العلماء على

التعمقات في الدين يغرب المفسر ولو بحكايات قاضي الجن؛ لأنه غير مطالب

بدليل وبتفحص المحدث عن نوادر الأخبار والآثار ولو موضوعة؛ لأنه غير

مسئول عن سنده ويستنبط الفقيه الحكم ولو بالشبه من وجه اللازم اللازم للعلة؛ لأن

مجال التحاكم واسع، وهذه الفتنة لم تزل مستمرة إلى أن أوقفها قصور الهمم عند

الأكثرين.

على أن هؤلاء المتأخرين أخلدوا إلى التقليد الصرف حتى في مسألة التوحيد

التى هي أساس الدين ومبدأ الإيمان واليقين والفارق بين الكفر والإسلام وجعلوا

أنفسهم كالعميان لا يميزون الظلمة من النور، ولا الحق من الزور، وصاروا

يحسنون الظن في كل ما يجدونه مدونا بين دفتي كتاب؛ لأنهم رأوا التسليم أهون

من التبصر. والتقليد أستر للجهل، وصار أهل كل إقليم أو بلد يتعصبون لمؤلفات

شيوخهم الأقدمين ويتخذون الخلافيات مدارا لتطبيق الأحكام على الهوى لا يبالون

بحمل أثقال الناس في الدين على عواتقهم يزعمون أن التسليم أسلم وأنهم أسراء

النقل وإن خالف ظاهر النص ويتوهمون أن اختلاف الأئمة رحمة للأمة.

نعم إن اختلاف الأئمة يكون رحمة إذا حسن استعماله ويكون نقمة إذا صار

سببا للتفرقة الدينية والتباغض كما هو الواقع بين أهل الجزيرة السفليين وبين أهل

مصر والغرب والشام والترك وغيرهم من المستسلمين وبين أهل عراق العجم

وفارس والصنف الممتاز من أهل الهند الشيعيين وبين أهل زنجبار ومن حولهم من

الإباضيين فهذه الفرق الكبرى يعتقد كل منهم أنهم وحدهم أهل السنة والجماعة وأن

سواهم مبتدعون أو زائغون فهل - والحالة هذه - يتوهم عاقل أن هذا التفرق

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٤٢