تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إيمانا كلما ازداد علما ودق نظرا؛ لأنه باعتبار كون الإسلامية هي أحكام القرآن

الكريم وما ثبت من السنة وما اجتمعت عليه الأمة في الصدر الأول لا يوجد فيها ما

يأباه عقل أو يناقضه تحقيق علمي.

وكفى القرآن العزيز شرفا أنه على اختلاف مواضيعه من توحيد وتعليم وإنذار

وتبشير وأوامر ونواه وقصص وآيات آلاء، قد مضى عليه ثلاثة عشر قرنا

تمخضه أفكار النقادين المعادين ولم يظفروا فيه ولو بتناقض واحد كما قال الله تعالى

فيه: ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ (النساء: 82) بل

الأمر كما تنبه إليه المدققون المتأخرون أنه كلما اكتشف العلم حقيقة وجدها

الباحثون مسبوقة التلميح أو التصريح في القرآن. أودع الله ذلك فيه ليتجدد إعجاز

ويتقوى الإيمان بأنه من عند الله؛ لأنه ليس من شأن مخلوق أن يقطع برأي لا

يبطله الزمان.

فهذه القضايا التي قررها حكماء اليونان وغيرهم على أنها حقائق ولم تتردد

فيها عقول عامة البشر ألوفا من السنين أصبحت محكوما على أكثرها بأنها

خرافات.

وكذا يقال كفى السنة النبوية شرفا أنه لم يوجد في أعاظم الحكماء المتقدمين

والمتأخرين من يربو عدد ما يعزي إليه من الحكم التي قررها غير مسبوق بها على

عدد الأصابع مع أن في السنة المحمدية على صاحبها أفضل التحية من الحكم

والحقائق الأخلاقية والتشريعية والسياسية والتعليمية ألوفا من المقررات المبتكرة

يتجلى عظم قدرها مع تجدد الزمان وترقي العلم والعرفان.

وكفى بذلك ملزما لأهل الإنصاف بالإقرار والاعتراف لصاحبها عليه السلام

بالنبوة والأفضلية على العالمين عقلا وعلما وحكمة وحزما وأخلاقا وزهدا واقتدارا

وعزما وكفى أيضا بهذه المزايا العظمى ملزما بتصديقه في كل ما جاء به واتباعه

في كل ما أمر أو نهى؛ لأن الدهر لم يأت بمرشد للبشر أكمل وأفضل منه. (مرحى)

ثم قال (المستشرق) للمفتي: وهذا ما دعاني إلى الإسلام فلبيت، والحمد لله

وعندي أن لو قام في الإسلام سراة حكماء دعاة مقدمون لما بقي على وجه الأرض

عاقل يكفر بالله. ثم قال: وإني أرى أنه لا يمضي قرن إلا ويكثر المهتدون من

المستشرقين ويرسخون في الدين فيتولون تحرير شريعة الإسلام، ويفيضون بها

على الأنام، حتى على أهل الركن والمقام، ولا يبعد أن تأتي الأيام بالبرنس محمد

المهتدي الروسي أو الإنكليزي مثلا قائما مقام الإمام، معيدا عز الإسلام بأكمل نظام.

أجاب (المفتي) : لا مانع مما ذكرت، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ودين

الله دين عام لا يختص بقوم من الأقوام.

ثم قال (المستشرق) : أيها المفتي المحترم لا يطاوعني لساني أن أدعي

الغيرة على الملة البيضاء الأحمدية أكثر منك إنما أناشدك بالله وبحبك لدينك أن

تترك هذه الأوهام التقليدية القائمة في فكرك وتعينني على تأليف كتاب يصور حكمة

دين الإسلام وسماحته ليكون سعينا هذا ذخرا عظيما ننال به فخر وثواب هداية

عشرات الملايين بل مئات الملايين من الناس إلى هذا الدين المبين. ولا يكبرن ما

أقول على فكرك، فإن أهل هذا الزمان المستنيرين الأحرار لا يقاسون بأهل الأزمنة

المظلمة الغابرة. نعم، وننال أيضا ثواب حفظ الملايين الكثيرة من أبناء المسلمين

العريقين تلامذة المدارس العصرية من هجر الإسلامية على صورتها الحاضرة

المشوهة باختلاط الحكم بالخرافات المعطلة بثقل التشديدات المبتدعة فالبدار البدار؛

لأن تفوز بهذه الخدمة التي يكاد يعادل أجرها أجر نبي مرسل والله المعين

الموفق.

أجابه (المفتي) أصبت فيما تفكرت ولنعم ما أشرت به، ولكن هذا عمل

مهم يحتاج القيام به لعناية جمعية يتكون من تضلع أعضائها في فروع العلوم الدينية

علم كاف للإحاطة وحصول الثقة، ولسوء الحظ لا يوجد من فيهم الكفاءة في هذه

البلاد ولذلك يتحتم علينا أن نترك هذه الفكرة آسفين وندعو الله تعالى أن يلهم علماء

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٤١