ظاهر النص.
أجابه (المفتي) : إننا إذا أردنا أن لا نعد من شرعنا إلا ما نتحقق بأنفسنا دليله
من الكتاب أو السنة أو الإجماع تضيق حينئذ علينا أحكام الشرع، فلا تفي بحل
إشكالاتنا في العبادات ولا لتعيين أحكام حاجاتنا في المعاملات فيحتاج كل منا أن يعمل
برأيه في غالب دقائق العبادات والمعاملات ويسير القضاء غير مقيد بإيجابات
شرعية، وهل من شك في أن اطراد الآراء وانتظام المعاملات أليق بالحكمة من عدم
الاطراد والنظام.
قال (المستشرق) : لا شك في ذلك ولكن أين الاطراد والانتظام منكم ولا
يكاد يوجد عندكم مسألة في العبادات أو المعاملات غير خلافية إن لم تكن في
المذهب الواحد فبين مذهبين أو ثلاث. هذا وربما يقال: إن توفيق العمل على قول
من اثنين أو أكثر أقرب للاطراد من الفوضى المحضة في تفويض الأمر لرأي
المبتلى أو تفويض الحكم لحرية القاضي فيجاب عن ذلك بأن الأمر أمر ديني ليس
لنا أن نتصرف فيه برأينا ونعزوه إلى الله ورسوله كذبا وافتراء وإفسادا لدين الله
على عباده، ولو أن الأمر نظام وضعي لما كان أيضا من الحكمة أن يلتزم أهل
زماننا آراء من سلفوا من عشرة قرون ولا أن يلتزم أهل الغرب قانون أهل الشرق
وعندي أن هذا التضييق قد استلزم ما هو مشاهد عندكم من ضعف حرمة الشرع
المقدس.
ثم قال (المستشرق) : وأعيد قولي، إنكم تحبون أن تكلفوا أنفسكم بما لم
يكلفكم به الله، ولو أن في الزيادات خيرا لاختارها الله لكم ولم يمنعكم منها بقوله
تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (الأنعام: 38) أي مما يتعلق بالدين [1]
وقوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام
دينا} (المائدة: 3) وقوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود
الله فأولئك هم الظالمون} (البقرة: 229) ولكن علم الله الخير في القدر الذي
هداكم إليه وترك لكم الخيار على وجه الإباحة في باقي شئونكم لتوفقوها على
مقتضيات الزمان أبي الغير وموجبات الأحوال التي لا تستقر فبناء عليه إذا أتيتم
أكثر أعمالكم الحيوية باطمئنان قلب بإباحتها يكون خيرا من أن تأتوها وأنتم حيارى
لا تدرون هل أصبتم فيها أم خالفتم أمر الله فتعيشون وأفئدتكم مضطربة
تحاذرون في الدين شؤم المخالفة وفي الآخرة عذابا عظيما.
وليس هذا من مخافة الله التي هي رأس الحكمة ولا من مراقبة الوازع التي هي
مزية الدين بل هذا من الارتباك في الرأي والاضطراب في الحكم ونتيجة ذلك فقد
الحزم والعزم في الأمور.
ثم قال: اعلم أيها المفتي المحترم أن هذه الحالة التي أنتم عليها من التشديد
والتشويش في أمر الدين هي أكبر أسباب انحطاط المسلمين بعد القرون الأولى في
شئون الحياة كما انحط قبلهم الإسرائيليون بما شدده وشوشه عليهم أهل التلمود وكما
انحطت الأمم النصرانية لما كانت (أرثوذكسية) مغلظة أو (كاثوليكية) متشددة
يتحكم فيها البطارقة والقسيسون بما يشاءون تحت اسم الدين فكانوا يكلفون الناس أن
0يتبعوا ما يلقنونهم من الأحكام بدون نظر ولا تدقيق حتى كانوا يحظرون عليهم أن
يقرأوا الإنجيل أو يستفهموا عن معنى التثليث الذي هو أساس النصرانية كما أن
التوحيد أساس الإسلامية. وبقي ذلك كذلك إلى أن ظهرت (البروتستان) أي
الطائفة الإنجيلية التي رجعت بالنصرانية إلى بساطتها الأصلية وأبطلت المزيدات
والتشديدات التي لا صراحة فيها في الأناجيل وإلى أن اتسع من جهة أخرى عند
الأمم النصرانية نطاق العلوم والفنون رغما عن معارضة رجال الكهنوت لها
فتلطفت أيضا الكاثوليكية والأرثوذكسية عند العوام واضمحلتا بالكلية عند الخواص؛
لأن العلم والنصرانية لا يجتمعان أبدا كما أن الإسلامية المشوبة بحشو المتفننين
تضلل العقول وتشوش الأفكار.
أما الإسلامية السمحة الخالصة من شوائب الزوائد والتشديد فإن صاحبها يزداد