تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المعقول لاقتضى ذلك صوابية الوثنية ورجحان النصرانية ولاقتضى كذلك عكس

حكم ما صح وروده على النبي صلى الله عليه وسلم من أن أمته تفترق إلى ثلاث

وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة هي التي كان هو وأصحابه عليها وقد وقع ما

أخبر به وكل فرقة تدعي أنها هي تلك الواحدة الناجية ولا شك أن الاثنتين والسبعين

فرقة أكثر من أي واحدة كانت منها فأين يبقى حكم الأكثرية؟.

فأجابه (المفتي) أنه قد سبقنا من أهل التحقيق والتدقيق الذين تشهد آثارهم

بمزيد علمهم ألوف من الفضلاء، وكلهم اعتمدوا لزوم اتباع أحد تلك المذاهب

القديمة حتى بدون مطالبة أهلها بدلائلهم؛ لأن مداركنا قاصرة عن أن توازن الدلائل

وتميز الصحيح والراجح من غيرهما، ومثلنا في تلك كالطبيب لا يلزمه أن يجرب

طبائع المفردات كلها ليعتمد عليها بل يأخذ علمه بطبائعها عما دونه أئمة الطب.

فقال (المستشرق) : نعم إن الطبيب يعتمد على ما حققه الأولون ولكن فيما

اتفقوا عليه، وأما ما اختلفوا فيه على طرفي نقيض بين نافع أو سام فلا يعتمد فيه

على أحد القولين بل يهملهما ويجدد التجربة بمزيد الدقة والتحقيق؛ لأن اعتماده

على أحدهما يكون ترجيحا بلا مرجح. هذا وإننا لنرى ببادئ النظر أن هؤلاء

الأئمة الأقدمين لم يقدروا أن يطلعوا على ما لا يقدر المتأخرون أن يطلعوا عليه

ويكفينا برهانا على ذلك:

(أولا) تخالفهم في كل الأحكام إلا فيما قل وندر تخالفا مهما ما بين موجب

وسالب ومحلل ومحرم حتى لم يمكنهم الاتفاق في نحو مسائل الطهارة وستر العورة

وما يحل أكله وما لا يحل.

(ثانيا) ترددهم في الأحكام وتقلبهم في الآراء وذلك كحكم أحدهم في المسألة

ثم عدوله عنه إلى غيره كما يقول أصحاب الشافعي أنه كان له مذهبان رجع بالثاني

منهما عن الأول.

(ثالثا) اختلاف أتباعهم في الرواية عنهم كأصحاب أبي حنيفة الذين قلما

يتفقون على رواية عنه ويؤول ذلك لهم بعض المتأخرين بتعدد مذاهبه في المسألة

الواحدة والحاصل أن الإنسان الذي يتقيد بتقاليد أحد أولئك الأئمة ولا سيما الإمام

الأعظم منهم لا يتخلص من قلق الضمير أو يكون كحاطب ليل وعلى ذلك لا بد

للمتحري في دينه من أن يهتدي بنفسه لنفسه أو يأخذ عمن يثق بعلمه ودينه

وصوابية رأيه ولو من معاصريه؛ لأن الدين أمر عظيم لا يجوز العقل ولا النقل

فيه المماشاة واتباع التقليد.

أجابه (المفتي) : نحن لا نحتم بأن الصواب مقطوع فيه في جانب أحد تلك

المذاهب بل المقلد منا، إما أن يقول بإصابة الكل أو يرجح الخطأ في جانب من

ترك مع احتمال الصواب.

فقال (المستشرق) : هذا القول يستلزم تعدد الحق عند الله أو القول بالترجيح

بلا مرجح؛ لأنكم تتحامون المفاضلة بين الأئمة، واعترافكم باحتمال المذاهب للخطأ

يقتضي جواز تركها كلها مع أنكم توجبون اتباع أحدها أفليست هذه قضايا لا تتطابق

ولا تعقل، فلماذا لا تجوزون وأنتم على هذا الارتباك أن يستهدي المبتلى لنفسه،

فإذا تحقق عنده شيء عن يقين أو غلبه ظن اتبعه وإلا كان مختارا ولا يكلف الله

نفسا إلا وسعها.

أجابه (المفتي) : إننا لبعد العهد لم يبق في إمكاننا التحقيق فما لنا من سبيل

غير اتباع أحد المتقدمين ولو كان تحقيقه يحتمل الخطأ.

قال (المستشرق) : ما الموجب لتكليف النفس ما لم يكلفها به الله؟ أليس من

الحكمة أن يحفظ الإنسان حريته واختياره فيستهدي بنفسه لنفسه حسب وسعه فإن

أصاب كان مأجورا وإن أخطأ كان معذورا ويكون ذلك أولى من أن يأسر نفسه

للخطإ المحتمل من غيره.

أجابه (المفتي) : إن هذا الغير أعرف منا بالصواب وأقل منا خطأ؛ فتقليده

أقرب للحق.

قال (المستشرق) : هذا مسلم فيما اتفق عليه الأقدمون، أما في الخلافيات

فالعقل يقف عند الترجيح بلا مرجح ولا سيما إذا كنتم لا تجوزون أيضا البحث عن

الدليل ليحكم المبتلى عقله في الترجيح، بل تقولون نحن أسراء النقل وإن خالف

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٣٩