تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والبصائر دهشة وخشوعا، فنشأت أبحاث سموها (أبنوتزم) و (مانيتزم)

التنويم المغناطيسي و (إسبرتزم) استحضار الأرواح، وغير ذلك استدل منها

عليتهم على أن للإنسان روحا وخلودا فأنشأوا مئات المجلات والمجامع، وعقدوا لها

المؤتمرات والمحافل، وألفوا فيها الكتب والرسائل، وبلغ عددهم من العلماء

الأعلام، وقادة المعارف العظام والمحامين البارعين والكتاب المتفننين، ما يزيد

عن عشرين مليونا - كما سنوضحه بعد إن شاء الله -. فهم على هذا لم يقعوا حتى

نهضوا ولم يضلوا حتى أوشكوا يهتدون. ولكن شبيبتنا التي جرعت من حوض

علومهم، وشحنت في أذهانها صور معارفهم لم يشاءوا أن يوسعوا دائرة معارفهم،

وكأنهم لم يعلموا أن ما يدرس في المدارس من العلوم الطبيعية والرياضية ليس إلا

قطرة من بحر لا تنقع صدى ولا تروي غلة؛ بل كأنهم يعتقدون أن العلم واقف حيث

هو من عهد (لفوازيير) و (توسيلي) و (ماريوط) و (قولطا) وأن باب الرحمة

الإلهية أغلق في وجه بني آدم - معاذ الله - فلا مرمى بعد مرماهم ولا مذهب بعد

مذهبهم، ثم نسوا ما تعلموه أيضا ولم تحفظ ذاكرتهم منه إلا شكلا مشوها من

استنتاجات عرجاء ليس لها أصل ترتكن إليه ولا أساس تعتمد عليه، فهم على مذهب

(أجوست كونت) و (داروين) بدون أن يكلفوا أنفسهم معرفة ماهية مذهبهما ولا

أصول نظرياتهما، وكأنهم كفاهم في أن يكونوا (أوجوستيين) و (داروينيين) أن

يروا في بعض المجلات نبأ من فلسفتهما لم يرد على أسلوب صحيح ولا سلك فيه

كاتبه مسلك الاستقراء والتحليل.

ثم إنهم على فرض تعمقهم في فلسفة علماء هذا العصر وتغلغلهم في مناحيها

تدقيقا وتمحيصا لم يكلفوا أنفسهم النظر في ماهية الإسلام وأصوله ليروا إن كانت

مبانيه مما تهدمها هذه الأبحاث أو هي بالعكس تقويها وتؤيدها.

أقول هذا ولا أنكر أن لدينا أفرادا من رجال هذه النشأة صاروا لهامة علوم

العصر تاجا وفي ذروة العلا الإسلامي علما. ولكنهم - وياللأسف - قليلو العدد

مبعثرون في الجهات مشغولون بالوظائف يتألمون لهذه الحالة مثل ما نتألم ويرون

أدواءنا مثل ما نرى.

هذه صورة مصغرة من الشبه والشكوك التي جرفتها إلينا مدينة أوربا،

وألصقتها بأذهان كثير من رجال نشأتنا التي اتسقت منها معلوماتها، وأخذت عنها

لغاتها، فهل بعد هذا يطوف بفكر عمراني باحث أو تحليلي مدقق أنه يمكن جمع

جمعية عصبيتها الدين وجامعتها العقيدة وسلاحها اليقين ويكون من أثرهم تشييد

معالي الإسلام وإرجاع مجده إليه ولو ببذل الأرواح، وبيع المهج بيع السماح؟ اللهم

لا. إذن فلنختر أحد أمرين: إما أن نقلب شكل هيئتنا الاجتماعية من شكلها الحالي

إلى شكل آخر، وروابطها الوطنية أو الجنسية أو أي أمر غيرهما، وهيهات أن يتم

لنا ذلك في ألفي سنة. وإما أن نتعهد رابطتنا الأصلية وهو الدين ونجليه لتلك الأذهان

في شكل يذهب شكوكهم وشبههم، ويرجع إلى تلك الفطر الإسلامية التائهة نورها

الصافي؛ حتى تدور على نفس القطب الذي كانت تدور عليه تلك الأرواح الطاهرة

والنفوس الكريمة روح سيد ولد آدم وأصحابه الذين كانوا حجة الحق الدامغة،

وأنوار الفضائل الساطعة، وخلفاء الله في أرضه وجيرانه في عالم قدسه، صل اللهم

عليه وعليهم وتابعيهم آمين.

... ... ... ... ... ... ... ... ... محمد فريد وجدي

(المنار) : ما دخل هذا القرن الميلادي إلا وكان شغل طائفة من كبار كتاب

أوربا البحث عن مستقبل الإسلام فيه فكتبوا في ذلك المقالات الطويلة كل يظهر

رأيه، فمنهم من بشر ومنهم من أنذر. وقد كنا شرعنا من عدة أشهر بكتابه مقالة

في ذلك عنوانها (مصير الأنام، ومستقبل الإسلام) ولكن شغلتنا عنها مقالات

(الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية) ثم مقالة السيد البكري في الموضوع ثم

هذه المقالة. السيد البكري أحسن في بيان الأغراض التي رمى إليها ونتائجه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٣٧