مستعد لأن يسمو بروحه أسمى منصة للحياة الملكية، فماذا هبطتم وعلا عليكم أولئك
الذين يزعمون أن الإنسان من سلالة القردة، وأن بينه وبين الحيوانات أواصر من
القربى ووشائج من الرحم؟ إذا كانت الفضيلة كما تقولون لا تثبت للإنسان بغير
دين ولا تطبع بضميره إلا بطابعه، فلماذا حرمتم من أصغر أنواعها
وسبقكم في باحتها من يقول: إن الفضيلة صفة من صفات الحياة الإنسانية والرذيلة
كذلك تنشأ الأولى عندما تكون شئون تلك الحياة جارية على سمت منتظم ملائمة
لقوانين الخلقة وتبرز الثانية في ضد تلك الحالة.
أما ما تزعمون من أن لا قوام للأمم بغير الدين، ولا نظام لهم سوى حبله
المتين، فمما لا نحتاج معكم فيه إلى كبير جدال، ولا كثير قيل وقال، فدونكم الأمم
الغربية الكبرى قد بنت عظمتها بملاشاته وأقامت وحدتها بمنابذة أشياعه، ومع ذلك
نرى لها كل يوم في سجل المعالي أثرا جديدا، وفي حدائق الفخار والمجد صرحا
مشيدا، فإن كان الحال كما تزعمون فما هذا الأثر المنعكس؟ وما تفسير هذا الأمر
الملتبس؟ أليست كل هذه البراهين المحسوسة دالة على أنكم متمسكون بأقوال لا
يقوم عليها من عالم الشهود شاهد، ولا ينهض لها من وقائع الحوادث مدافع، لا
جرم أنكم تتأخرون ونتقدم، وتخضعون ونتحكم، ولا غرو أن علونا وسفلتم،
وتعززنا وذللتم، كما لا عجب أن استخدمنا نواميس الكون وأسرتكم، واستغللنا
خيرات الطبيعة وحرمتم.
كل هذه الشبه المتعاصية قد نشأت في وسط العلم الأوروبي ونبع سمها من
بين ذرات دسم هذه المدنية العجيبة، فالتاثت بأكثر العقول أقذارها، وتسممت الفطر
بسمومها، وقد سرت هذه السموم إلى شبيبتنا الإسلامية التي نهلت من العلوم
الأجنبية فخلعتها عن مجموعها، وذهبت بها مذهبا لا تجعلها مع هؤلاء ولا هؤلاء.
وكفى أمة عجزا وضعفا وقصورا وتأخرا أن لا يكون لشببتها وجهة تسير عليها،
ولا غاية تعتقدها وتتوق إليها، وتدأب للحصول عليها، حلت هذه الشكوك والشبه
من قادة النشأة وزعماء التقدم في البلاد الأجنبية محلا علميا، وجعلتهم ينبذون
معتقداتهم ظهريا، ولكن قام مقامها لديهم موقتا غيرة قومية، وحمية جنسية أو لغوية،
لمت شعثهم وضمت أجزاءهم حينا ظنوا فيه إمكان قيامهم بدون الدين بل خالوا أن
مصدر رفعهم ومنبع نظامهم والتئامهم، ومنشأ ألفتهم ووئامهم، هدم تعاليمه وتذريتها
في الهواء مع الهباء، ثم لما استقاموا على هذه المفازة الخطرة حينا من الزمن
ورأى قادتهم ورؤساء معارفهم أن هذه خطة عوجاء، وسراب ليس وراءه ماء،
وأن بالإدمان على متابعة السير في خطتهم هذه الهلاك المستأصل والجائحة الكبرى
التي تطفئ نور مدنيتهم، وتهدم صروح عظمتهم، وساعد هذا الأثر في نفوسهم
الإحساس بالفراغ الذي ألم بصميم معناهم الإنساني وجوهرهم البشري من جراء فقد
العقيدة التى هى لازم لوازم هذه النفس الناطقة تعطشت قلوبهم إلى الدين الصحيح
وحنت فطرهم إليه حنين البائس ينتظر فرجه، ويتنسم من شطر الخلاص نسمة.
ولكن أين الدين؟ كانت الفلسفة الحسية فلسفة (أجوست كونت) وأشياعه القائلين
بأن المعقول إذا لم يؤيده شاهد من الحس جاز أن يكون ضلالا -آخذا من الأفكار
مكانة لا يمكن قلعه منها، وما دامت أسس الدين من عقيدة وجود الروح وخلودها في
دار بعد هذه الدار مما لا يمكن الاستدلال عليها بمحسوس جاز أن تكون وهما لا
حقيقة له في الواقع. فهي على حسب أسلوب هذا المذهب الكثير الأشياع من قبيل
ما لا يمكن إثباته، وما لا بد من عدم الخوض فيه، وما معنى دين بدون روح
وخلود وآخرة فيها نعيم مقيم أو شقاء مستديم؟
كيف الوصول إلى الاعتقاد بدين مهما كانت تعاليمه في عصر هذه فلسفة بنيه
وتلك مبادئها؟ ولكن الله سبحانه أكرم من أن يخيب سائلا وأرحم من أن يطرد طارقا؛
فأرسل عليهم من جهة فلسفتهم هذه آيات تأخذ بالأعناق خضوعا، وبالأبصار