تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السيد وعرفوا منهما ومن أمثالهما أن أصل الإنسان قرد وأنه لا آدم ولا حواء ولا

كتابا سماويا ولا روح ولا نفس ولا حشر ولا نشر ومن يرد أن نعطيه صورة

موجزة من فلسفة هذه المدنية التي يقرأها خاصتنا من عرفة اللغات الأجنبية

ويعتقدون حقيتها فإليه غير مضنون عليه.

يقولون: يا معشر المتدينين، إنكم لو جردتم نفوسكم عن الهوى، ووجهتم

وجوهكم شطر الهدى، لرأيتم أنه ليس دينكم إلا أثرا من آثار الماضين، وبقية من

بقايا أوهام السالفين، ليس لها من القيمة والقدر إلا كما لسائر آثارهم الأخرى من

العلوم الطبيعية، والصناعات اليدوية، فقد حكم العلم - معاذ الله - بأن نواميس

الكون كافية في تعليل ظواهره، وقوانينه قد فسرت أكثر غوامضه، فلا داعي

لفرض وجود قوى وراء الطبيعة، ولا موجب لتوهم عالم علوي بعد هذه المرئيات

المحسوسة، أما الوجود فقديم إن لم يكن بصورته فبمادته الأولى. وأما القوى التي

تصرفه فلا استقلال لها في ذاتها بل هي صفة لهيولاه الأصلية فلا مادة بلا قوة ولا

قوة بلا مادة بل المادة في نفسها مظهر من مظاهر القوة المتحركة في الأثير من

الأزل.

أما الإنسان وما نسبتموه إليه من نفس مستقلة عن الجسد وما منحتموها من

مزية الخلود بعد فنائه، وتبعثر ذراته فما تبطله الشواهد العلمية، وتحيله البدائية

التشريحية، فقد قرر العلم - معاذ الله - أنه لا فرق بينه وبين غيره من الكائنات

السفلية ولا ميزة له على سواه من الأنواع الحيوانية، بل ليس هو في ذاته إلا حيوانا

فاق في قوة التعقل والإدراك غيره من أبناء نوعه، على أن أبناء نوعه - الحيوانات-

غير محرومة من قسط مناسب من التعقل والإدراك. وإذا أردت الدليل فدونك كتب

حياة الحيوان ترى من آثار الفكر ونتائج التعقل ما يدلك تمام الدلالة على أن العقل ليس

بوقف على الإنسان ولا هو وصفه المميز، فإذا نسبت للإنسان روحا مستقلة عن

الجسد ومنحتها مزية الخلود والبقاء اعتمادا على القوة العقلية فلم لا تحكم هذا الحكم

نفسه بالنسبة إلى الحيوانات أيضا؟ أليس هذه من آثار المعلومات السابقة النافعة

حينما كان الناس لا يميزون بين ما يؤيده الحس والعيان. وبين ما هو من قبيل

الخيالات التي تنشأ في الوجدان بلا روية ولا إمعان؟ أما الفضائل التي تقرعون

الآذان بها، وتضربون وجوه مناظريكم بسلاحها مدعين أنكم قادتها وزعماؤها،

وأن لكم حق السيطرة على الناس بها، فليست في الحقيقة تبعا لتعليم من التعاليم

القديمة لكتب خاصة يقوم بها رجال ذوو صفات خاصة؛ بل هي تابعة لنواميس

طبيعية تظهر في الأمم الحية ظهور سائر آثار النواميس الأخرى فلا علاقة لها

بدين ألبتة.

ألا ترون أن كثيرا من المتدينين بعداء عن الفضيلة، مغمورين في غمرات

الرذيلة، ودونك الإحصائيات المدققة التي يعتني بجمعها علماء الإنسان؛ ترى أن

أكثر أصحاب الجرائم من المتدينين المتشددين في الدين، وإليك كتب علماء الجرائم

مثل (لومبروزو) و (فريرو) و (سيرجي) ترى العجب العجاب، بل انظر

بعينيك إلى الأمم التى تزعم أن لها ارتباطا بالدين وغيرة على اليقين، ألا تراها في

حالة من الإجرام والتسفل تفضل عليها معها الأمم التي تركت الأديان، وجعلتها

خبرا لكان، والتفتت للمدنية والعلوم الطبيعية، فأصلحت شئونها ودبرت أمورها،

فقامت على قطب الاستقامة والاستقلال، ونحت منحى الكرامة والجلال، فكشفت لها

المدنية عن وجهها الباسم، وتجلت لها الحضارة في شكلها الفاتن، فسيطرت على

الأمم الأخرى بعلومها وصنائعها، وقهرتهم بقوتها وسطوتها، كما صارت بالنسبة

إليهم علما في فضائلها وآدابها؟ إذا كان لا فضيلة بغير الدين وأنها لا تخرج

عما حددتم لها من القيود في كتبكم، فما سبب هذه الآثار المدهشة للعقول المضللة

للمدارك؟ إذا كان الإنسان كما تقولون خلق مستقلا بذاته من طبيعة علوية، وأنه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٣٥