وتبذل أنفس عزيزة وأرواح، وتباع في سبيل الوحدة بيع السماح، وكلها مطالب
سامية ورغائب عالية، ولكن هل تتحقق؟ لنجل في إمكانها نظرا ونعمل في
احتمالها فكرا، فإن لاح لنا برق أمل ضممنا صوتنا إلى صوته وإلا أبدينا فيها
رأينا، وعززناه بأسلوبنا.
حكم السيد بأن لا وطن للإسلام ولا جنسية، وأن رابطتنا الوحيدة هي جامعة
العقيدة وآصرة الإيمان ووشيجة اليقين، فلينظر هل تلك الرابطة اليوم صالحة لأن
تضم أجزاءنا وتلم شعثنا وتوجه عواطفنا إلى تيار واحد لنحقق بذلك آمالا
عظاما، ونرأب بها من جسم هيئتنا صدوعا جساما؟ يضرب لنا السيد مثلا
بالجمعيات الأجنبية التي تألفت للوحدة الإيطالية؛ والجامعة السلافية، والجنسية
السكسونية، وعاج من ذلك على ذكر الثورات الأرمنية والمقدونية والكريدية، ثم
قال إنها: (تعمل أعمال الجبابرة في الخلاص من حضيض الأسر، إلى أوج النسر،
والأمة الإسلامية التي ملأت المشرقين والمغربين تنتفض انتفاض الطائر في شباك
الصائد، ولا تعمل للنجاة عملا، وكيف ترجو الوصول إلى الغاية وهي لا تنقل إليه
قدما، ولا تحرك شفة ولا قلما، ومن طلب شيئا وجده، ومن تركه فقده) ثم أردف
ذلك لقوله: (ولا يعتذر الجبان المفقود القلب بأن عقد هذه الجمعيات مما يتعذر
حصوله في البلاد الإسلامية الآن؛ إذ أي جمعية أنشئت قبل هذه فلم تقابل بالكفران
وتحط بالنيران، لكنها العزيمة التي ترى أن الموت في حياة الأمة خيرا من الحياة
في موتها وأن لا محيص من الصدر أو القبر) .
نقول ولسنا بجبناء ولا مفقودي القلب ولا يائسين ولا مفتونين: لقد سلك
السيد في مقاله مسلك الكاتب الحماسي، ولكنه لم يسر سير العالم ولا الفيلسوف
العمراني. ولو كان قبل أن كتب مقالته تدبر في ألوف المقالات التي كتبت قبل
مقالته بعشرين سنة وكان فيها من ضروب الحض والحث والتحميس ما لا يمكن
المزيد عليه، ومع ذلك لم تنتج أثرا، ولم تحقق لكاتبها ولا لخلافه أملا، لكان رجع
إلى نفسه وعلم أن المانع للأمة من سماع تلك الصيحات، والإصاخة لتلك الهيعات
أمر جلل وخطب كبير. ولتراءت له أدواء يجب فحصها وعلل لا ينجع دعاء
بوجودها.
قررت العلوم النفسية، وحكمت المشاهدات الوجودية أن الإنسان لا يعمل
عملا بل ولا يتحرك حركة إلا وهو معتقد صلاحية ما يعمله أو يتحرك من أجله
ومتيقن من الوصول إلى غايته فهل لدى فضلائنا الذين يطلب منهم تأليف تلك
الجمعيات من العقيدة الراسخة واليقين الثابت ونحن في القرن العشرين ما يحملهم
على تشكيل الجمعيات وبذل نفوسهم ونفائسهم دفاعا عن حقيقتهم وقراعا دون
حريمها؟
أنا أول من يقول بأن المستقبل للإسلام وكتبي ومؤلفاتي تشهد لي بذلك؛ ولكني
لا أحب أن أجعل للخيال سلطانا على قلمي، ولا للحماسة التي تنطفئ بمجرد الكتابة
نفوذا على إحساسي؛ بل أعلم أني عائش في عصب الفلسفة الحسية والمدنية
المادية، والمعارف الطبيعية. وصرفت زمنا ليس بالصغير في فحص وسطي الذي
أعيش فيه وأمتي التي أنا بين ظهرانيها، ورأيت بالحس أننا إن لم نسع لمداواة عللنا
من أصولها تهنا في تطبيبها، وضللنا في علاجها وذهبت كل صيحاتنا أدراج الرياح
كما ذهبت خاصتنا لأداء وظيفتها الصحيحة فوهن العقيدة وضعف الإيمان، وما دامت
على هذه الصفة فلا يرجى منها اجتماع على أمر ألبتة.
مجرد اعتقاد أن الإسلام دين يدعو إلى الفضائل ويحض على الأخذ بالماديات
والمعنويات معا، وأنه آخذ في الانتشار بين القبائل الشرقية، أو أنه مهيب الجانب
في بعض البلاد الأجنبية، وكما اعتاد كثير من خاصتنا التفكه به في المجالس
إظهارا لغيرتهم على الإسلام وتحمسا لكثرة براهينه لا يفيدهم في اليقين شيئا؛ لأن
كلهم تقريبا ممن تعلموا اللغات الأجنبية، ودرسوا العلوم الطبيعية، والمعارف
التشريعية، ووقفوا على تعاليم (داروين) و (جوستاف لوبون) الذي استشهد به