تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أو تهيأت الجامعة السلافية والجنسية السكسونية إلا بالجمعيات السرية أو الجهرية.

هذه الأمة الأرمنية والطائفة المقدونية والفئة الكريتية على صغرها في الوجود،

وكونها لا تكاد تذكر بين كل موجود، تعمل أعمال الجبابرة في الخلاص من

حضيض الأسر، إلى أوج النسر. والأمة الإسلامية التي ملأت المشرقين

والمغربين تنتفض انتفاض الطائر في شباك الصائد ولا تعمل للنجاة عملا. وكيف

ترجو الوصول إلى الغاية وهي لا تنقل إليها قدما. ولا تحرك شفة ولا قلما، ومن

طلب شيئا وجده، ومن تركه فقده.

ولا يعتذر الجبان المفقود القلب بأن عقد هذه الجمعيات مما يتعذر حصوله في

البلاد الإسلامية الآن إذ أي جمعية أنشئت لمثل هذا الغرض فلم تقابل بالكفران،

وتحط بالنيران، ولكنها العزيمة التي ترى أن الموت في حياة الأمة خير من الحياة

في موتهم وأنه لا محيص من الصدر أو القبر. على أن كثيرا من بلدان الإسلام الآن

مفتوحة الأبواب لمثل هذا العمل وأخصها الممالك التي احتلها الإنكليز، ويقرب

سكانها من نصف المسلمين [14] على أن الممالك الأخرى متى علمت أن المقصد

من العمل هو التعليم والتربية، لا يكون لها مجال في منعه، فإن منعته في الجهر فهل

يمكنها أن تمنعه في السر؟ وإن أمسكت الأفواه فهل يمكنها أن تضبط

القلوب؟

أما أولئك الآخرون الذين نراهم ينذرون بفناء الإسلام وانتهاء أمده ويستدلون

على ذلك بالأحاديث الموضوعة والأقوال التي لفقها أعداء الدين قديما لإدخال اليأس

على قلوب المسلمين فيجب أن نسد أفواههم ونوجع أقفاءهم ونتلو على أسماعهم قول

الله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو

كره المشركون} (التوبة: 33) وقوله تعالى: {يريدون أن يطفئوا نور الله

بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} (التوبة: 32) .

أيها المسلمون جدوا في هذا أمر لتجدوا. وموتوا فيه لتحيوا. واعرفوا قومكم

قبل أن ينكروكم، واحفظوا بلادكم قبل أن تضيعكم. قد حدثت فيك حركة عامة

فأيدوها وتحملوا فيها الأذى. هذا صوت القرآن يناديكم وداعي الله يستدعيكم {يا قومنا

أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم} (الأحقاف: 31) .

-----------------

<span class="footnote">

(1) من قراء المنار في الأقطار النائية من لا يعرف البكري؛ هو من بيوتات الحسب والمجد وقد انفرد في صنفه بتلقي العلوم في مدارس أوربا العالية وبنيل رتبة قاضى عسكر من الدولة العلية، وهو في العربية خزانة الأدب، ولسان العرب يشهد له بذلك شعر فحل ونثر جزل.

(2) المنار - اشتهر أن هذه الكلمة حديث وقد نبهنا غير مرة على أنه موضوع.

(3) إن في مصر من أحداث السياسة من يكتب ويخطب لينسخ هذه الآيات الكريمة ويفرق هذه الجامعة بكلمات سخيفة مثل (الوطنية الحقة) و (الدخلاء) فهذه الوطنية الباطلة لا ترضي الإسلام والمسلمين ولا غيرهم من وطنيين ومهاجرين لأنها هضمت كل حق أما الجامعة الإسلامية فإنها تعطي كل ذي حق حقه (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) ولئن وجد شيء من التعصب في بلاد المسلمين فإنما وجد بتراخي عرى هذه الجامعة العادلة كما بيناه مرارا.

(4) المنار: يراجع القراء مقالة (الجنسية والدين الإسلامي) في المجلد الثاني من المنار ض 321 ومنها يعلم أن الإسلام هو الذي جاء لجميع البشر كلهم فهم يسعون إليه ولا يعلمون.

(5) تراجع مقالات إسحق طيلر وخطبه في المنار.

(6) إن من أحداث السياسة في مصر من يحاول إبطال هذه المزايا الإسلامية بفمه وقلمه لغوا بالوطنية ويزعم مع ذلك أنه يخدم مصر والإسلام!!! .

(7) للصوفية علم وعمل؛ أما العلم فهو العقائد والقواعد والأحكام المعروفة في كتب التصوف كالفتوحات والفصوص ونحوهما وأما العمل فهو إرشاد المسلمين ودعوة غير المسلمين إلى الإسلام وإنا نرى في هذه الأيام من بعض متهوري الكتاب إنكارا وتثريبا على عقائد الصوفية وطلبا لتلاشي هذه الجمعية من بين المسلمين بسبب ذلك قال بعضهم (إن هذا المذهب دخل إلى الإسلام من القرن الثاني مع ما دخله من المذاهب إذ ذاك وإنما نقل إليه من الفرس بدليل أن مشائخة الأولين كلهم أعاجم كالجنيد النهاوندي وأبو يزيد البسطامي وإبراهيم بن أدهم البلخي وبشر الحافي المروزي وسهل التستري إلخ وبدليل أنهم جعلوا سند الطريق إلى علي رضي الله عنه دون غيره ولا يفعل ذلك إلا الفرس الذين هم شيعته وبدليل أنه كان مدونا في كتب الفرس وأشعارها قبل الإسلام وقد نقله الفرس عن اليونان إذ كان عندهم مذهبا للحكماء الإشراقيين وأخذه اليونان من الهنود الأقدمين إما بواسطة فتوح الإسكندر أو قبلها قال أبو الريحان البيروني في كتاب الهند عند ذكر اعتقاد الهنود في الموجودات العقلية والحسية ما نصه: (إن قدماء اليونانيين قبل ظهور الحكمة فيهم بالسبعة المسمين أساطين الحكمة وتهذب الفلسفة عندهم كانوا على مثل مقالة الهند وكان فيهم من يرى أن الأشياء كلها شيء واحد (وحدة الوجود) ثم من قائل في ذلك بالكمون ومن قائل بالقوة وأن الإنسان مثلا لم ينفصل عن الحجر والجماد إلا بالقرب من العلة الأولى بالتربة وإلا فهو هو ومنهم من كان يرى الوجود الحقيقي للعلة الأولى فقط لاستغنائها بذاتها فيه وصاحبة غيرها إليها وأن ما هو مفتقر في الوجود إلى غيره فوجوده كالخيال غير حق والحق هو الواجد الأول فقط وكانت هذه الآراء آراء (السوفية) أي الحكماء فإن سوف باليونانية معناها الحكمة وبها سمي الفيلسوف أي محبي الحكمة ولما ذهب في الإسلام قوم إلى قريب من رأيهم سموا باسمهم ولم يعرف اللقب بعضهم فنسبهم بالتوكل إلى الصفة وأنهم أصحابها في عصر النبي صلى الله عليه ولسم وصيره بعضهم من الصوف وعدل أبو الفتح البستي عن ذلك عدول في قوله:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٢١