تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأولى التي هى سلك العلوم الحافظ لها من الضياع كما قدمنا، ثم لا بد له من علم (ما

يحفظ الرزق) وهو الزراعة أو الصناعة أو التجارة ومبادئ علم الاقتصاد والحساب

الضابط للعمل.

وأما المدارس الثانوية فيتعلم فيها العلم الذي اختاره المرء لنفسه وما يلزمه

من الفنون ولغة أجنبية من لغات العلم.

ويتعلم التلميذ في المدرسة العليا تفصيل ما أجمله في المدرسة الثانوية. وتقسم

حينئذ المدارس العليا (الكلية) إلى أقسام، كل يختص بعلم مخصوص.

والاختصاص بالفن الواحد من أهم الأمور في بلوغ الغايات في العلوم، إذ العلم

يعطيك من نفسه بقدر ما تعطيه من نفسك، ومما يجب تعويد الطلبة عليه السير مع

العلم كل يوم وعدم الوقوف طول العمر عند ما يتلقونه في المدارس، وذلك بالاطلاع

على فهارس (دور الكتب) والوراقين والوقوف على كل ما يجد في الفن. قال

برتلو الكيماوي المشهور: (كنت أقرأ في كل عام فوق مائتي مصنف تنشر في

الكيمياء، وأحلل ما أجده منها في نفسي تحليلا كمياويا فيتيسر لي بذلك توسيع دائرة

هذا العلم واكتشاف أمور كثيرة فيه.

وأما المال اللازم لذلك فهو لا يتجاوز ريالا واحدا عن كل شخص من الأمة

وهو ثلث ما تنفقه أمة كالأمة المصرية على الخمر والدخان في كل سنة.

والحصول على هذا المال يكون إما من طريق الحكومة بالطلب منها أو

الإلحاح عليها والاستماتة في ذلك. أو من طريق الأمة بالاكتتاب العام الدائم والحث

عليه بالخطب على المنابر والجرائد وغيرها. وقد كان السيد جمال الدين رأى في

ذلك رأيا وهو أن ينشأ صندوق يسمى (صندوق المسلمين) يوضع في كل قرية وعلى

كل طريق ومسجد ويجمع فيه المال لإصلاح أحوال المسلمين: ولا بأس من جعله

تحت مراقبة إدارة رسمية لتزداد ثقة الناس به كما جعلوا صندوق التوفير تحت

إدارة مصلحة البوسطة مثلا. على أنه لا يعدم الإسلام رجالا في هذا الزمان يقومون

على قدم أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - في سالف العصر من بذل كل أموالهم

في تأييد العقيدة التي أخذوا بها والدين الذي انتسبوا إليه. روى مسلم في صحيحه قال

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أمن الناس علي في ماله وصحبته أبا

بكر) .

أما البحث عمن يقوم بهذا الأمر فهو أهم الأبحاث وأس المسائل. الذي يقوم

بهذا الأمر إما الأمة وإما الحكومة. أما الأمة فما دامت في الطفولية فلا يمكنها أن

تميز خيرا من شر أو أن تترك اللعبة وتشتري الكتاب. وأما الحكومة فهي إما حكومة

وطنية وهي في الغالب الآن مع الأمم الإسلامية في مقام السيد مع العبد فإن تعلمت

الأمة وارتقت أصبحت معها في مكان الوكيل مع موكله، وهيهات هيهات أن تساعد

على ذلك. وأما الحكومة الأجنبية فهي بمثابة الوصي الطماع مع القاصر الغني

فمصلحتها أن تحول بينه وبين الرشد دائما [13] وإذ قد نفضنا أيدينا من هؤلاء جميعا

فلم يبق أمل يرجى وأمنية تنتظر إلا من فئة قليلة بلغت الرشد فعرفت الحال والمآل

أعني بها (عقلاء المسلمين) هذه الفئة هي المسئولة وحدها ولا مسئولية على عامة

الأمة (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج)

وهؤلاء العقلاء بالنسبة إلى بقية الأمة القاصرة في مقام الأولياء فهم المسئولون

عن خيرها وشرها ونفعها وضرها.

لا سبيل إلى نجاة المسلمين وإعلاء كلمة الإسلام إلا أن يؤلف هؤلاء العقلاء

في كل قطر جمعية يسمونها جمعية (مستقبل الإسلام) وأن يؤلفوا جمعية أخرى

عامة تضم هذه الجمعيات تسمى (المؤتمر الإسلامي) ينعقد في مكة أو في أي

مكان يتفق عليه كل سنتين مرة ويكون أعضاؤه مندوبي جمعيات الأقطار المختلفة

ووجهته إصلاح أحوال المسلمين ونشر التعليم الذي هو وسيلة ذاك.

أي دولة قامت أو راية نصبت أو أمة خلصت أو وحدة تألفت، إلا

بالجمعيات؟ الجمعية عامل لا يموت وأمة في واحد. هل اجتمعت الوحدة الإيطالية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣٢٠