تنازع الناس في الصوفي واختلفوا قدما وظنوه مشتقا من الصوف
ولست أنحل هذا الاسم غير فتى ... صافي فصوفي حتى لقب الصوفي
وكذلك ذهبوا إلى أن الموجود شيء واحد وأن العلة الأولى تتراءى فيه بصور مختلفة وتحل قوتها في أبعاضه بأحوال متباينة توجب التغاير مع الاتحاد (الحلول والاتحاد) وكان فيهم من يقول: إن المنصرف بكليته إلى العلة الأولى متشبها بها على غاية إمكانه يتحد بها عند ترك الوسائط وخلف العلائق والعوائق (الرياضة والتجرد) .
وكانوا يرون في الأنفس والأرواح أنها قائمة بذواتها قبل التجسد بالأبدان معدودة مجندة تتعارف وتتناكر وأنها تكتسب في الأجساد بالخيرورة ما يحصل لها به بعد مفارقة الأبدان الاقتدار على تصاريف العالم ولذلك سموها آلهة وبنوا آلهة وبنوا الهياكل بأسمائها وقربوا القرابين لها كما يقول جالينوس في كتاب الحث على تعلم الصناعات (أصحاب الكرامات) اه كلام البيروني قالوا: والوصول إلى المعرفة عند الصوفية ليس من طريق النظر والتجربة بل من طريق الرياضة، وكل ما يفعله الصوفية الآن من الاهتزاز الشديد في الذكر ونحوه هو لتخليص النفس من الحس حتى تتجلى لها المعرفة بقدر ذلك ولا شك أن هذه جميعها عقائد وقواعد يجب إلغاؤها؛ لأنه لم يجئ بها كتاب ولا سنة اه أقول: هذا تهور وخطل وبعد عن الصواب إذ كيف يجوز لمسلم أن يطالب إيقاف الحركة التي يعترف الإفرنج أنفسهم بأنها الحركة الحية الوحيدة الباقية الآن في الإسلام والتي فتحت للإسلام الآن قدر ما فتحته سيوف الفاتحين الأولين أما الطريقة لإصلاح حال الصوفي ونفي الضار عنها وإبقاء النافع فيها فهي أن نجعل (العلم) عندهم هو علم الشرع الإسلامي بلا زيادة ولا نقص و (العمل) يبقى موضوعه على ما هو عليه فيكون عبارة عن إرشاد المسلمين إلى الشريعة المطهرة ودعوة غير المسلم إلى الإسلام وبهذا يكون التصوف عبارة عن (علم بالشرع وعمل به) ويقوم مشايخ الصوفية إذن بركني التعليم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين حث عليما الكتاب الكريم قال تعالى: [ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون] (آل عمران: 104) وقال تعالى: [فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون] (التوبة: 122) وتكون جمعية الصوفية في الدنيا أشبه بمدرسة عظمى فيها المشايخ والخلفاء الأساتذة والمريدون من الكافة تلامذة قد وضعوا أنفسهم تحت التعلم ومراقبة العمل به مدى العمر اه مؤلف الرسالة.
(8) المنار: رواه عبد الرزاق في مصنفه من حديث سعيد بن أبي هلال مرسلا بسند ضعيف ولكن ورد بمعناه في مكاثرة النبي الأمم والأنبياء بأمته ما يقويه.
(9) المنار: جاء القاهرة في هذه الأيام تاجر بلوجي مسلم ذهب إلى الصين مرارا فأكد القول بأن مسلمي الصين يبلغون 80 مليونا وأن علماءهم يهزأون بقول الأوربيين إنهم 40 مليونا.
(10) هو أحد ملوك الصين تخلى عن الناس في التاسعة والعشرين من عمره وعكف على العلوم حتى برع فيها وسمى نفسه (بودا) ومعناه العالم أو المتنور ووضع المذهب الذي اتخذته الصين والهند دينا وكان ظهوره في القرن الحادي عشر قبل المسيح وقيل في القرن السابع وهو الأرجح.
(11) راجع كتاب موسيو دابري المسمى الديانة المحمدية في الصين وتركستان الشرقية المطبوع في باريس سنة 1878 اه من هامش كتاب الإسلام لدى كاستري.
(12) المنار: رواه الديلمي عن أبي بكرة والبيهقى عن أبي إسحق السبيعي مرسلا.
(13) يقول بعض السذج من البسطاء: لا حاجة لاهتمام المسلمين بأحوالهم؛ إذ الإفرنج لا بد أن يسوقهم دافع المدنية وروابط الإنسانية إلى أن يحتلوا بلادهم فيصلحوا أحوالها وينظموا أعمالها كما ذكر ذلك (روسفلت) رئيس جمهورية الولايات المتحدة في خطبة له قال فيها: (إن داعي الإنسانية يضطرنا إلى احتلال البلاد الضعيفة والتغلب على الأمم المنحطة لنرتب أحوالهم ونصلح أعمالهم ونرقيهم حتى يصبحوا مثلنا تماما وما نأخذه في أثناء ذلك من المنافع هو أجر ذلك العمل) ، أقول: إن هذا تغرير للأبصار، وتضليل للأفكار، إذ الإفرنج قد يصلحون الأشياء لا الأشخاص، ومثل هذا الإصلاح لا يفيد المسلمين وهم في حالة الانحطاط، بل هو أشبه بالثياب المهندمة التي يضعها الباعة على تماثيل الخشب زخرف على تربة ونقش على خربة، فإن الأمة لا يمكنها أن تنازع غيرها سبل الحياة إلا بنفسها، فإذا فقدت نفسها فهي فاقدة لكل شيء، ولا ترجع فائدة هذه الاصلاحات إلا على الإفرنج أنفسهم فمثلهم فيه مثل من يعمر البيت بأجرته ثم يسكنه مدة طويلة حتى إذا خرج منه يوما كان البيت قد عاد إلى حالته الأولى أما إصلاح الأشخاص الذي هو أس كل إصلاح حقيقي فهو ما لا يفعله الإفرنج بل ما يدأبون في الغالب لصده ورده، قال بعض نبهاء التونسيين، وقد سئل عن حال بلاده (تقدمت البلاد وتأخر أهلها) ولا عجب في ذلك كله ما دامت سنة الاجتماع قد قضت بأن تكون حياة القوي في موت الضعيف، اه لمؤلف الرسالة.