تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن ننقل منه.

ولا يلزم أن نتعلم اللغة العلمية بحيث نحسن الكتابة والتكلم بها بل

يكفينا القدرة على فهمها جيدا والنقل منها كما كان ذلك شأن النقلة الكبار مثل ابن

ماسوية وحنين بن إسحق ورفاعة بك والرشيدي صاحب المادة وأمثالهم. ولو

حفظ الإنسان في كل يوم خمسة مصادر بمشتقاتها لكان رأسه في ختام السنة قاموسا.

وإنما يجب إذن أن نجعل اللغات الإسلامية في حالة يمكنها بها أن تكون لغة علمية

وذلك بنقل ما جد من الألفاظ والاصطلاحات إليها وللوصول إلى هذا نتخذ أحد

المعاجم الموجودة بين أيدينا أصلا، ونذيله بما استجد من ذلك ناقلين ألفاظ العلوم

واصطلاحات الفنون كما هي بعد تحوير قليل تنتظم به في صيغ اللغة الأصلية. أما

الجهد في سد هذا النقص بإيجاد ألفاظ من متن اللغة القديمة تؤدي المعاني الجديدة أو

استدراك ذلك بواسطة النحت أو الاشتقاق من الجوامد أو نحو ذلك فعبث ولا لزوم

له.

وأما كيفية تعليم العلم وترتيب ذلك فأهم ما يجب أن يعمل فيه أن يكون التعليم

عاما إجباريا على ثلاث طبقات (ابتدائي وثانوي وعال) وأن يكون التلامذة بقدر

عشرين في المائة من عدد السكان. منهم واحد في المائة للمدارس العالية وسبعة في

المائة للثانوية وما بقي فللمدارس الابتدائية. وأن يكون الأساتذة على نسبة واحد

لكل خمسة عشر تلميذا في المدارس العالية، وواحد لكل ثلاثين في المدارس

الثانوية. ولكل خمسين في المدارس الابتدائية.

وعلى هذا يجب أن تكون المدارس الابتدائية منتشرة في كل قرية

انتشار المساجد والزوايا. والمدارس الثانوية في كل مركز. والمدارس العليا (أي

الجامعة) في أمهات المدن، وينبغي أن تكون الغاية عند الكافة من طلب العلم أن

يكون المرء سعيدا في رزقه سعيدا في نفسه وفي فكره وفي بيته وفي أمته، لا أن

تكون أداء امتحان وأخذ شهادة، ثم إن جدول التعليم في المدارس (البروجرام)

هو بمثابة الجوهر، وكل ما عداه في مقام العرض. فعليه يتوقف الفلاح في الحياة أو

الخيبة فيها. وطالما حرص الفلاسفة على تبيان أهمية هذا الأمر واهتمت به

الحكومات. قال جان جاك روسو: (إن أكثر ما نتعلمه في المدارس كأنما نتعلمه

للننساه لا غير ذلك إذ معظمه مما لا نستفيد منه في حياتنا مرة واحدة) . وقال آخر:

الفساد في التعليم يفسد أمة بأسرها) . وقال هربت سبنسر الفيلسوف الإنكليزي:

(لو لم يكن عندنا من العلم إلا ما نعلمه في المدارس لكانت إنكلترا اليوم على ما كانت

عليه في القرون الوسطى. فجميع ما عندنا من المعارف الكبرى التي صرنا بها أمة

عظيمة في الدنيا لم تنشأ من المدارس المعدة لذلك، بل من أكواخ حقيرة وزوايا

مهجورة) . وقال (كوريون) عن مدارس الصنائع في فرنسا: إن ثلاثة أرباع الوقت

يضيع فيها سدى. وقال (هنري دوفيل) في جلسة عامة بأكاديمية العلوم في فرنسا:

إني عضو في المدرسة الجامعة (كلية باريس) من مدة، وإني اليوم على

وشك الاعتزال من الأعمال فأقول لكم قولا يجب أن يملأ كل أذن وهو: إنه ما دامت

هذه المدرسة على هذه الحال فلا تسوق إلا إلى الجهالة. وإذا كان الأمر من الأهمية

بحيث استدعى إيراد هذه الأقوال عن مدارس أوربا وجب أن نجعله في المنزلة

القصوى من الاهتمام به، ولا نقلد تلك الأمم بنقل بروجراماتها كما هي، وقد سمعنا

أقوال الفضلاء في قيمة تلك البروجرامات وقلة جدواها في التربية العامة.

وليس لي أن أجزم هنا في مسألة هي الآن مشكلة الأمم ومختلف العقلاء وإنما

رأيي أن يكون التعليم الابتدائي محصورا في الأمور التي يجب عل كل امرئ أن

يعلمها وهو علم (ما يحفظ الجسم) كمبادئ قواعد الصحة والفسيولوجيا وعلم

(ما يحفظ النفس) كالأخلاق وما (يحفظ العائلة) كتدبير المنزل وما (يحفظ الأمة)

كمبادئ السياسة والتاريخ ونحوه وما (يحفظ العقيدة) وهو مبادئ الإلهيات، والحكمة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣١٩