يدك شيء. قال المعري:
لو يعرف الإنسان مقداره ... لم يفخر المولى على عبده
لولا سجاياه وأخلاقه ... لكان كالمعدوم في وجده
الناس أجمع في حركة وعمل، والمسلمون في سكون وسكوت كما قال تعالى:
﴿حين تضعون ثيابكم من الظهيرة﴾ (النور: 58) ولله در أبو تمام حيث يقول:
أفكر في أحلامكم أين عزبت ... فيصرعني طورا وأصرعه الفكر
إذا الوحي فيكم لم يضركم فإنني ... زعيم لكم أن لا يضوركم الشعر
* * *
(الفصل الثالث)
في وسائل الارتفاع
(العلم)
إذا كان الجهل سبب الانحطاط كان العلم سبب الارتفاع، فلا تصلح أحوال
المسلمين حتى تصلح نفوسهم، توقف لمعاول على العلة.
ولكن ربما رأى الإنسان الفساد الحال بالمسلمين في أنفسهم في أهلهم، في أمتهم
، في دينهم، في دنياهم، وقد سكن في كل عضو منهم علة، وفي كل جارحة ألم،
وأزمنت الأدواء واستطرقت إلى بعضها حتى أصبحت كل علة تسوق عللا وكل
مرض يهيج أمراضا، وغدا بينهما شبه الدور والتسلسل فيتيه في هذا التيه ولا
يدري كيف يسري وماذا يصلح وماذا يترك، وأي دواء يستعمل وقد اختلفت
الأمراض وتباينت الآلام فيقف حائرا بائرا يائسا يرى أن خلق خلق جديد أهون من
إصلاح هذا. فلمثل هذا الحائر المشتبه أضرب المثل الذي ضربه (فكتور هوجو)
الشاعر الكبير قال: مثل سلطان الاستبداد مثل مصر بني على بطائح (النيفا) في
الروسيا وقد جمد الثلج ماءها، فشيدت القرى والمنازل على الجليد وسارت العجلات
ودارت حركة المعاش في الأسواق كأكثر ما يكون، وضرب الرجل برجله الأرض
فوجد أصلب من الصخر لا تعمل فيه المعاول ولا يقطعه الدينامت فقيل له: إن هذا
كله ظل زائل لا يلبث إلا عشية أو ضحاها حتى يمحى فلا يكون له أثر، فكذب
وأنكر وهاله الأمر وبينما هو كذلك وإذا بشعاعة من الشمس سالت على هذه الدنيا
الصغيرة فإذا هي حلم حالم. قال هوجو: (هذه الشعاعة هي الحرية) .
وأقول أنا: (هي (العلم) . وقد بينا آنفا ماهية هذا العلم الذي ترقى به الأمة إذا
أخذ كل منها بنصيبه منه. فنذكر الآن الوسائل اللازمة لإدخاله في أرض المسلمين.
وهي تنحصر في (كيفية نقله) و (كيفية تعليمه) و (المال اللازم لذلك)
و (من يقوم بهذا العمل) .
أما نقل العلم وإيجاده بين المسلمين فله طريقان وهما: ترجمته إلى لغات
المسلمين أو تعليم المسلمين لغة من لغات العلم (وهي الآن الفرنسية والإنكليزية
والألمانية) لتكون هي لغتهم العلمية، ومن يقول بالوجه الأول يذكر أنه هو السبيل
الذي سلكته كل الأمم السالفة في نقل العلم إليها كما فعل العرب في نقل علوم
اليونان والسريان والكلدان، وكما فعل الإفرنج في نقل علوم العرب حتى إنك لتجد
الآن كثيرا من مؤلفاتهم المهمة مترجمة إلى اللاتينية مطبوعة بها من قرون عدة مع
فقدها من بلاد الإسلام ويقول هؤلاء: إننا إذا ترجمنا العلم فقد نقلناه إلينا، وإن تعلمنا
اللغات فقط فقد نقلنا أفرادا منا إلى العلم. وأما من يقول بالوجه الثاني فيرى أن سير
النقلة وسير العلم في حركته كفرق ما بين راكب الناقة وراكب البخار فإن بدءا من
نقطة واحدة الآن فلا يلبثان أن يتفارقا فيسبق العلم الناقل أبد الأبيد ذنبا له. وإن
أريد نقل ما عند القوم من أول الدهر إلى اليوم لزم لذلك خمسمائة عام يكونون فيها
قد تقدمونا بمثل هذا القدر من السنين. ويقول هؤلاء: (لهذا رأينا الأمم الآن
غيرت الطريق الأول في نقل العلم إلى هذا الطريق كما فعلت اليابان) .
وعندي أنه يجب التوفيق بين هذين القولين فنجعل تعليم اللغة العلمية إجباريا
وبهذا نعطي لكل واحد (مفتاح الجفر) ونرفع الستار عن عالم العلم. ثم نجعل
التعليم والتأليف بلسان الأمة التي هو فيها. ومتى فعلنا ذلك أمكننا أن نسير مع العلم
إذ كتبه وحدوده التي هو عليها تصبح كتبنا وحدودنا، وأمكننا أن ننقل منه ما شاء الله