إلى القول بأن العشرين مليونا من المسلمين الموجودين في الصين لا يلبثون أن
يصيروا مائة مليون [9] فيقوم الدعاء لله مقام الدعاء (لساكياموني) وليس هذا بالأمر
الغريب، فإنه لا يوجد مكان على سطح المعمورة إلا واجتاز الإسلام فيه حدوده
منتشرا في الآفاق. فهو الدين الوحيد الذي أمكن اعتناق الناس له زمرا وأفواجا
وهو الدين الوحيد الذي تفوق شدة الميل إلى التدين به كل ميل إلى اعتناق دين سواه.
ففي البقاع الأفريقية ترى المرابطين وقد أفرغوا على أبدانهم الحلل
البيضاء يحملون على الوثنيين من العبيد العارية أجسامهم من كل شعار قواعد الحياة
ومبادئ السلوك في هذه الدنيا كما أن أمثالهم في القارة الأسيوية ينشرون بين
الشعوب الصفر الألوان قواعد الدين الإسلامي ثم هو - أي: هذا الدين - قائم
الدعائم ثابت الأركان في أوربا عينها - أعني: في الآستانة - حيث عجزت
الشعوب المسيحية عن استئصال جرثومته من هذا الركن المنيع الذي يحكم على
البحار الشرقية ويفصل الدول الغربية عن بعضها شطرين) وقال آخر: إن
للإسلام في الصين أربعين مليونا من النفوس، وإن للمسلمين عند أهل الصين منزلة
عليه. قال موسيو (وازيليف) وهو من الذين اشتغلوا بالإسلام في تلك النواحي:
إن مصيره القيام مقام مذهب (ساكياموني) [10] وإن لمسلمي المملكة السماوية
اعتقادا جازما بأن الإسلام لا بد أن يسود حتى تزول به تلك الديانة القديمة وهى مسألة
من أهم المسائل إذ الصين آهلة بثلث العالم أو تزيد فلو صاروا كلهم مسلمين
لأوجب ذلك تغييرا عظيما في حالة تلك البلاد بأجمعها فيمتد شرع محمد من جبل
طارق إلى المحيط الأكبر الهادي ويخشى على الدين المسيحي مرة أخرى، ومعلوم أن
أمة الصين أمة عاملة وإن هدأت أخلاقها وجميع الأمم تستفيد الآن من عملها فلو
جاءها التعصب الإسلامي ذو البأس القوي لخشيت بقية الأمم من السقوط تحت
سلطانها [11] وقال موسيو (مونطيط) : لقد صار من المحقق أن الإسلام ظافر لا
محالة على غيره من الأديان التي تتنازع البلاد الصينية) .
وقال شاتلييه: (إن من تأمل حال الإسلام في القطرين اللذين هما أأهل أقطار
آسيا بل أقطار العالم - الهند والصين - يجد أن الإسلام وحده يتقدم وينمو على
حين يرى غيره من الديانات القديمة تتداعى وتضعف، والمسيحية لا تكاد تثبت) .
وقال آخر بعد أن وصف فتوح الإسلام في الديانات الأخرى وعجز الآخرين
عن الفتوح فيه: (ولم ير المبشرون في طريقهم بلدا قامت في وجههم سدوده
وأقفلت دونهم أبوابه مثل بلاد الإسلام، ومن الصعب أن يكيف الإنسان حالة مسلم
يريد أحد المسيحيين أن ينصره حتى لو شبهناه بمسيحي مستنير يريد وثني أن يميل
به إلى عبادة الأصنام لكان التشبيه ناقصا) .
وقد ملأت هذه الفتوحات الإسلامية قلوب الأمم الأخرى وبلبلت بلبالهم حتى
عدوها من الخوارق وبنوا أسبابها على ما وراء الطبيعة.
قال دي كاستري: (هذه هي أهم الأسباب في انتشار الإسلام ولست أدري إن
كانت تكفي لإدراك سر هذا الدين في انتشاره أو أنه يجب البحث معها عن أسباب
سماوية، غير أن الإسلام خرج من ذرية إسماعيل وسرى في الأرض كما خرجت
المسيحية من ذرية إسحاق، وقد بارك الله في أبناء الخادمة كما بارك في أبناء السيدة.
(ونحن نعلم أن يهوذا قال لإبراهيم عن إسماعيل: إنه سيبارك فيه ويكثر من
نسله كثيرا وكرر له ذلك بقوله: إنه سيبارك له في ابن الخادمة فتخرج من صلبه أمة
كبرى لكونه من أولادك وأعاد يهوذا هذه البشرى مرة ثالثة لوالدة ذلك الطفل الذي
نجا في الصحراء حيث رمي ليموت عطشا. وقصة ظهور الملك إلى هاجر من
أجمل الروايات ووصف بادية الظماء ولهف الأم على ولدها من ألطف ما يقال
(نضب الماء في الزق ورمت هاجر الطفل تحت شجرة وابتعدت قليلا ثم جلست
أمامه على مسافة مرمى النيل وقالت: لست أصبر أن أرى ابني يموت ثم رفعت