تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صوتها بالبكاء، وقد كان بكاء الطفل سبقها إلى السماء فناجاها الملك من قبل الله:

م الك يا هاجر، لا تخافي فقد سمع الرب صوت الطفل من المكان الذي وضعتيه فيه

فقومي وساعديه على القيام وليشتد ساعدك على حمله فسيكون من ذريته أمة

كبرى) .

(ولقد ارتعشت يدي عندما مددتها لأزيل الغطاء عن الكتاب المقدس كي أنقل

الآيات التي سطرتها ولولا ما قاله الأب بروغلي من أن تقدم الإسلام أمر مندرج

تحت ما بشر به أبو المؤمنين لما تجرأت أن أطبق تلك الآيات على الإسلام، ولا

ذهبت إلى أن في انتشار هذا الدين سرا من الأسرار الربانية) .اه

هذا ما أردنا بيانه في هذا الفصل ومنه يعلم أن حظ الإسلام من الأرض أوفر

حظا، وأن أرضه له لا يمكن أن ينتزعها منه غيره، وأن عدد المسلمين كثير،

وأن صفاتهم الفطرية قويمة. وجامعتهم الدينية عظمية، وأنهم يزيدون زيادة تستوقف

الأبصار، وتحير الأفكار، وأنه لا يتسنى لغيرهم أن يجاريهم في هذا المضمار. وإذا

كان الأمر كذلك كان رأس مال الإسلام من الأصليين الطبيعيين الضروريين لمستقبل

الأمم كبيرا في الحال. أكبر من غيره في الاستقبال، ولا ينقصه إلا الأمور الكسبية

والأسباب الوضعية التي لا بد أن تدفعه طبيعة العمران لتحصيلها شاء أو أبي.

فيصل إلى ما قدره له الله من السعادة والعلاء والمجادة ولله در القائل:

لي في ضمير الدهر سر كامن ... لا بد أن تستله الأقدار

* * *

(الفصل الثاني)

في أسباب الانحطاط

(الجهل)

اختلف العلماء وافترق العقلاء في أسباب انحطاط الأمم وارتقائها وانقسموا في

ذلك إلى فريقين وهما:

(الفريق الأول) يرى هذا الفريق أن الأمم في ارتفاعها وانخفاضها أشبه

بالإنسان في أدوار عمره، لا تكبره الإرادة، ولا تضره الصنعة فهو إذا جاء

زمن المشي مشى وحده وإذا جاء زمن النطق نطق كذلك، وأن الجمعيات الإنسانية

مسيرة بناموس طبيعي كالناموس الذي يسير الكواكب في أفلاكها. وأن الجمعية

الحالية هي نتيجة ضرورية لماضي طويل الأمد، وإنها حاملة معها جميع بذور

التحولات والأطوار التي لا بد لها من المرور عليها في رقيها وانحطاطها. وأنه بذلك

تكون الجمعية كالشخص لا يبلغ سنا ما لم يمر بالأدوار التي تفصله عنه وأن تأثير

الإنسان في هذا السير هو كتأثير الطبيب في سير المرض أي: ضعيف لا

يذكر.

(الفريق الثاني) يرى هذا الفريق أن الأمم مثل الشمعة المذابة تضعها في

أي شكل أرادت. وتجعلها في أية صورة صورت، وأن الإرادة تفعل في كيانها

فعل الإكسير الذي يحول الترب تبرا. ورجال هذا الفريق هم أساطين الحكمة مثل

(أفلاطون) و (أرسطو) و (ليبنيز) و (ليكورغ) ، ولا حاجة في إطالة الكلام

لترجيح الفريق الثاني في هذا المقام فإن اليابان هي البرهان الذي لا يختلف فيه

اثنان.

ثبت عند كبار الحكماء أن الأمم يمكن رفعها وخفضها بالإرادة. أما الآلة

الرافعة أو الخافضة لها فقد اتفقوا على أنها العلم أو الجهل. قال ليبنيز الحكيم:

(لو كان أمر التعليم موكولا إلي؛ لغيرت وجه أوربا في أقل من قرن) وقال أيضا:

لو أجلنا النظر لألفينا أن تسعين في المائة من الناس هم فضلاء أو أرذلون نافعون

أو مضرون بالتعليم الذي تعلموه وأن كل ما يوجد من فرق بينهم فسببه ذلك التعليم.

وقال (ديدرو) : علة العلل في ارتقاء أو انحطاط الأمم هو العلم أو الجهل وما عدا

ذلك فأسباب ثانوية وعلل جزئية ترجع إلى تلك العلة الأصلية.

هذا وقد بدلنا النظر في حالة العمران أن العلم هو العلة التي تقوى بها أمة

على أمة، والجهل هو سبب انحطاط فريق عن فريق، وبيانه أن هذه الأرض وإن

تنوعت أسماء أجزائها في المواضعة واختلفت ألوان بقاعها في الخرائط فهي بسيط

واحد فيه العامر والغامر والأمم فيه كأمة واحدة فيها القوي والضعيف. وقد أوجدت

المصادفة بعض هؤلاء في حيز عامر مفعم بالنعم، والبعض في حيز غامر مملوء

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٣١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٣١٣