الفريضة الشرعية، ويندر السكر والقمار والمراقص الخزية، وتعد العفة في الإناث
من خلائق التقوى ويفشو التناصح بالإحسان والأخوة بالوجدان) [5]
(السبب الثاني لانتشار الإسلام) موافقة أحكامه للفطر الإنسانية وابتنائها
على الحكمة العقلية. قال (لوشاتلييه) في كتابه المسمى (الإسلام في القرن
التاسع عشر) : (إن نمو الإسلام في الهند أمر لا ينكر وسببه في الغالب حكم
المساواة بين الناس الذي سنته الشريعة الإسلامية، وذلك أن أهل الهند بحسب مذاهبهم
القديمة ينقسمون إلى طوائف لا ينبغي لطائفة منها أن ترقى إلى الطائفة التي
فوقها، فمن ولد منهم في طائفة دنيا لا يجد له مخلصا للارتقاء إلى العلاء
والخلوص من قيد الطائفة إلا اعتناق الإسلام) وقال (لودوفيق دوقنتاسون)
في كتابه المسمى (النصارى والإسلام) : (لا يصل أهل الهند إلى أن تكون لهم
حكومة وطنية مستقلة إلا إذا ذهب من بينهم التخالف في المذاهب والطوائف
والأجناس، ولا يكون ذلك إلا إذا ساد فيهم الإسلام الذي يبيد جميع هذه الفروق
ويقيم أركان المساواة والإخاء والحرية التي هي من قواعد الديانة الإسلامية [6] .
(السبب الثالث) وهو أهم الأسباب، حذق دعاة الإسلام وهم الصوفية.
الصوفية جمعية في الأمة مرتبة النظام، منظمة الهندام، يبلغ عددها مائة مليون من
النفوس فهي أكبر جمعية في الدنيا لا يضارعها البوكسر في الصين ولا الطوائف
الدينية في أوربا وغيرها، وقد قامت هذه الجمعية بالدعوة الإسلامية مقاما عجيبا [7] .
قال بعضهم: (إن العالم الإسلامي وقف عن التقدم والغلب أمام الدول الأوربية من
مدة مديدة فاستطالت هذه الدول على الممالك الإسلامية وغلب الكثير منها بالقوة
العقلية والمادية ولكن الذي أعجزها وضاعت معه قوتها وحياتها هم الصوفية،
فالصوفية هم في الحقيقة القوة الدالة على الحيوية والنماء في العالم الإسلامي فتراهم
في أفريقية وفي الصين والهند وأواسط آسيا، بل في جزائر المحيط يدعون إلى
الإسلام ويدخلون الأفواج فيه كل يوم حتى إن الخطوط التي ترسم في أفريقية لبيان
حدود الإسلام وراء خط الاستواء تنقل متقدمة إلى الجنوب في كل عام من أثر
فتوحات مشايخ الطرق في مجاهل أفريقية. وما دخل الفرنسيس قرية في الكنغو إلا
وجدوا الصوفية قد سبقوهم إليها، وزرعوا بغض الناس لهم فيها. ومن اطلع على
المؤلفات الكثيرة الأوربية التي تؤلف في هذه السنين في أوربا عن أحوال الصوفية
وتاريخ الطرق وكيفية سير أهلها في الدعوة علم أن مسألة الصوفية هي المسألة
الشاغلة للباحثين عن حالة الإسلام الماضي والمستقبلة.
وقد بلغ من العناية بهم أن والي الجزائر كلف جمعية برئاسة (أوكتاف
دويون) عن البحث في أحوال الصوفية ففعلت وطبعت أعمالها في مؤلف ضخم
ورسمت خريطة عامة يتبين منها ما يوجد من الطرق والطوائف في كل بلد من بلاد
الإسلام بعلامات مخصصة حتى تستقصي منها حركاتها وتنقلاتها في الأقاليم. اه
وقال دي كاستري: (قد فطن المسلمون إلى ما أحدق بهم من الأخطار
وأرادوا تمكين الجامعة، وتوحيد الروابط بينهم، وهى عند المسلمين أشد قوة منها لدى
غيرهم من الأمم التي تدين بدين واحد؛ لأن القرآن شريعة دينية وقانون مدني
وسياسي، ومن ذلك وجدت حركة في النفوس غايتها مقاومة النصرانية بجميع
الوسائل الممكنة وعلى الخصوص مغالبة التمدن الجديد باسم الإيمان. قال القائد
(رين) وتأتي قوة هذه الحركة الإسلامية من تعدد الطرق الصوفية التي وجدت من
أول هذا القرن، وعظم شأنها في جميع الأنحاء وصار لها تأثير شديد في قلوب
الناس ولهم رسل ومريدون يطوفون البلاد الإسلامية التي لا حد لها وغير
الإسلام كمبشرين أو مستعطين أو قاصدين للحج، ويصلون بهذه الكيفية بين الأقطار من مكة إلى جغبوب إلى القسطنطينية، وبغداد إلى فاس، وتنبكتو إلى القاهرة إلى