النماء، كالشجر إذا شذب منه زاد أو الأتي إذا سد طريقه غرق البلاد. وقد جزم
العارفون وفي أولهم علماء الإفرنج أنه لا يمضي حرس من الدهر حتى يربو على
جاريه المسيحي والوثني، وعدد الأول الآن (420) مليونا والثاني (500) مليونا.
وذلك لأن نسبة الزيادة فيه والزيادة فيهما مختلفة جدا حتى تكاد تكون كالفرق ما
بين الماشي وراكب الهملاج. كان سكان مصر سنة 1881ستة ملايين فأصبحوا سنة
1891 نحو عشرة ملايين وكان مسلمو الهند سنة 1892 (57) مليونا فصاروا سنة
1901 (90) مليونا وعلى هذا فقس مسلمي الصين والسودان وغيرهم. وهذا
شيء لا يوجد مثله في الأمم الأخرى. قال ديمولان: يتضاعف عدد سكان فرنسا في
334 عاما، وسكان ألمانيا في 98 عاما، وإنكلترا في 63 عاما وأستريا في 62
عاما.
والأسباب في انتشار الإسلام وازدياده في كل صقع وقطر من أحشاء أفريقية
إلى ميطان الصين إلى جزر المحيط كثيرة نذكر بعضها فنقول:
(السبب الأول) سلامة العقيدة الإسلامية وسهولتها، قلت مرة للسيد جمال
الدين الأفغاني ما هو دين المستقبل؟ فقال لي هذه الآية من كتاب الله: {إن الذين
آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا
فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (البقرة: 62) قال دي
كاستري في مؤلفه عن الإسلام:
(هكذا جذب الإسلام قسما عظيما من العالم بما أودع فيه من إعلاء شأن النفس بتصور الذات الإلهية على صفات فوق صفات البشر نذكرها خمس صلوات في كل يوم، وبما اشتمل عليه من الترفق بطبيعة البشر حيث أباح للناس شيئا مما يشتهون. وأعظم عامل في انتشار الإسلام خصوصا عند الأمم الزنجية
(السود) بساطة مذهبه وسذاجة تعاليمه، وهو سبب موجود في القرآن نفسه، فهو
بذلك يلائم الطباع. دين لا أسرار فيه وكلمته (أي كلمة الشهادة) يعتاض عنها عند
الاحتضار بإشارة تدل عليها كرفع السبابة إلى السماء إشارة إلى وحدانية الله تعالى
فكلما وجد الرجل الجاهلي أمامه دينين متحدين في حقيقتين: وحدانية الله، وخلود
الروح - وهما الإسلام ودين عيسى - تراه يختار الدين الذي لا يزيد شيئا على
تينك الحقيقتين ويعتنق الإسلام بلا محالة، وهي قوة يفضل بها القرآن الديانة
المسيحية في الانتشار وكانت معروفة عند أهل القرن السابع عشر؛ لذلك تقرأ في
كتاب القس (ماراشي) الذي سماه (الرد على القرآن) : (ولا يغيبن عن ذهن
القارئ أن تلك الطائفة ... لا تزال حافظة لكل ما في الدين المسيحي من الأمور
الظاهرة الوضوح القريبة التصديق مضافا إليه ما يوافق نظام الكون وقانون
النشأة الدنيوية فقد أبعد عنه أحاجي الإنجيل التي نخالها في أول الأمر غير
صحيحة لا تدركها العقول كما أنه جرد تعاليمه من كل قاعدة يشد بها الخناق على
البشر مما جاء في ذلك الكتاب، وبهذه الواسطة تمكن من رفع العقبتين اللتين يحس
كل واحد منا بأنهما الحاجز بينة وبين الدين الحق الصحيح وهما عقبة الروح وعقبة
الجسم، وهذا هو السبب في أن الوثنيين الذين يريدون ترك دينهم في أيامنا هذه
يعتاضون عنه بالإسلام دون الديانة المسيحية) . اه
وقال (إسحق طيلر) : (ليس أمر المسيحية واقفا عند العجز عن إحداث
مواطئ جديدة لأقدامها فقط ولكن المقام الذي هي فيه قد تعجز عن حفظه أيضا. إن
دين الإسلام قد انتشر آنفا من مراكش إلى جاوا ومن زنجبار إلى الصين، وهو
الآن ينتشر في أفريقية بسرعة لا يأتي عليها الوصف، وإننا لنرى الإسلام أوفق ما
يكون لتهذيب الأمم المتوحشة وترقيتها. أما الديانة المسيحية فلا تنالها عقولهم،
وبذا قد نفع الإسلام المدنية أكثر مما نفعتها المسيحية. إذا دخلت الديانة المحمدية في
قبيلة زنجية محت عبادة الأوثان وأبطلت أكل لحوم البشر ووأد الأطفال، وأنشأت
فيهم النظافة وعزة النفس والوقار وكرم السجايا فيصير قرى الضيف بمنزلة